ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية في بقاء حركات ، ونجاح استمرارها ضد معاول الهدم والإفناء ، وكذلك: في ضياع حركات ، وفشلها في القيام بمهمتها ، وأداء رسالتها .
ولذلك: كان لابد من توافر صفات خاصة فيمن تقع عليهم مسئولية القيادة ، ويناط بهم رفع ألوية الحركة ، وحمل أمانتها .
ومن هذه الصفات:
تبسط القيادة ، وتواضعها ، في سلوكياتها ، وأمور حياتها الخاصة ، عن قناعة وصدق وإيمان ، وليس عن تكلف وتصنع .
حيث إن ذلك: فضلا عن أنه صورة عملية لما تؤتمن عليه ، وتنادي به من مبادئ وتعاليم . . فإنه خير عون على نجاح الدعوة ، وترابط الصف ، وإخلاص الجنود ، وسعادتهم بأداء الواجبات ، ورضاهم بتحمل الأعباء والقيام بالمشقات .
وخير قائد علمنا ذلك . . ! !
بل خير قائد فعل ذلك . . ! !
هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ففي البخاري . .". . وطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن وصل المدينة _ ينقل معهم اللبن في بنيانه _ أي المسجد النبوي _ ويقول:"
اللهم إن الأجر أجر الآخرة . . . فارحم الأنصار والمهاجرة ."14"
إلى أن اغبر صدره - صلى الله عليه وسلم - من كثرة ما حمل ونقل . . ! !
حتى دفع ذلك بعضهم إلى أن يقول:
لئن قعدنا والنبي يعمل . . . لذاك منا العمل المضلل
فصار الصحابة ينشدونها ، ويتغنون بها وهم يعملون .
وكان - صلى الله عليه وسلم -: يأبى إلا أن يكون واحدا منهم ، يعمل كما يعملون ، وينشد كما ينشدون ، ويأخذ بحظه _ من ثواب الله _ كما يأخذون .
وهكذا . . كلما كان القائد قريبا من جنوده: كلما كان محبوبا لديهم ، وكلما كان بسيطا في حياته متواضعا في سلوكه: كان قدوة صالحة إليهم ، بقربه منهم: يألفونه ، وبأدبه معهم: يحبونه ، وبمشاركته أفراحهم ، ومقاسمته أتراحهم: يفتدونه .
بأمره: يطيعون ، وبسلوكه: يقتدون ، وبعلمه: ينتفعون ، ولأعلام الدعوة يرفعون ، ولكلمات الله يعلون ، وبشرعه يلتزمون .
وبهذا النسيج: يتلاحم القائد مع جنوده ، ويتماسك الصف ، ويصير كالبنيان المرصوص ، وتصبح الشورى منهجا ، والقوة مكسبا ، ورهبة الأعداء مغنما .
أما إذا ترفع القائد _ وتكبر _ على جنوده ، وأفراد دعوته ، أصبح الأمر قسرا ، والطاعة كرها وقهرا ، وساد سوء التقليد ، وتقليد السوء ، وتمزق الصف ، وتفرقت الجماعة ، وتنوسيت المبادئ ، وتأخر النصر .
ولأهمية هذا الدرس: لم ينبه عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مشافهة ، بل مارسه عمليا ، وعاشه بنفسه بين أصحابه حتى صار واضحا لهم ، جليا لكل من يأتي من بعدهم .
توافر الحس الأمني
الحس الأمني: شعور يكتسبه العاملون في حقل الدعوة ، من خلال: سعة أفقهم ، وصدق وعيهم ، وحسن فهمهم لتاريخ الدعوة ومدى ما تعرض له أبناؤها منذ الأيام الأولى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى يومنا هذا .
وكذلك: يكتسبونه من شدة حرصهم على نشر مبادئها ، ورفع رايتها ، وإعلاء شأن العاملين بها والمنتسبين إليها ، واستمرار مسيرتها ، وعدم توقف العمل ، أو تعطيله ، عن تحقيق ذلك _ أو بعض ذلك _ كله .
وليس ذلك الشعور ، خوفا على أنفسهم _ وإن كان ذلك أمر مطلوب _ بالقدر الذي فيه الخوف على: ما يحملونه من مبادئ تهدي للتي هي أقوم ، وما يريدون تحقيقه من خلال هذه المبادئ في دنيا الناس وواقعهم .
ولذلك: لابد من توافر هذا الحس ، لدى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ، كل حسب البيئة التي يعيش فيها ، والمجتمع الذي يخالطه ، والقوى التي تواجهه ، خوفا على الدعوة من أن يحال دون توضيح معالمها ، ونشر مبادئها ، وتكثير أتباعها ، وكذلك: خوفا على رجالها ، من كيد الأعداء ، وبطش الطغاة .
وليست هذه دعوة للجبن أو التقاعس ، ولكنها دعوة لليقظة والحذر ، وفهم الواقع ، حرصا على نجاح الدعوة ، وانتشارها ، وتعميم خيرها في دنيا الناس أجمعين .
وإذا كان المسلم _ دائما _ يسأل الله العافية ، فهو لا يبخل أن يجود بنفسه في سبيل نصرة هذا الدين إذا ما دعي الداعي لذلك .
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
ومن العجيب: أن هذا الإحساس كان في أعلى درجاته عند هؤلاء النفر ، الذين دخلوا هذا الدين حديثا ، والذين جاؤا من المدينة لملاقاة الرسول ، - صلى الله عليه وسلم - ، بمنى .
يقول ابن اسحق: قال كعب بن مالك". . . فرحل إليه منا سبعون رجلا ، حتى قدموا عليه في الموسم""48"
ثم يقول:"فواعدناه شعب العقبة"
ثم يقول: فنمنا تلك الليلة مع قومنا ، في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل: خرجنا من رحالنا ، لمعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، نتسلل تسلل القطا ، مستخفين ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب"أم عمارة"، وأسماء بنت عمرو بن عدي"أم منيع"
هذا خروجهم من رحالهم ، ومن بين زملائهم ومرافقيهم من أهل بلدهم وأقاربهم . !
فكيف كان وصولهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ودخولهم عليه . . ؟
يقول: فاجتمعنا عندها _ أي العقبة _ من رجل ورجلين حتى توافينا _ أي اكتمل عددنا _ فقلنا يا رسول الله ؛ علام نبايعك . . ؟"48"
يا سبحان الله . . ! !
لم يخرجوا لملاقاة النبي - صلى الله عليه وسلم - علانية ، أو في وضح النهار ، أو في أوقات حركة الناس ونشاطهم .
بل كان خروجهم:
أ _ قرب منتصف الليل ، وبعد أن آوى الناس إلى فراشهم ومضاجعهم .
ب _ تسللا حذرا ، هادئا متخفيا ، حتى لا يشعر بهم أهلوهم وبنو وطنهم ، فيسألونهم عن وجهتهم ، أو يعرفون وجهتهم ، وقد يمنعونهم ، أو يفشون سرهم ، وبذلك تفشل مهمتهم .
ج _ لم يسيروا في الطريق جماعة ، بل كانوا متفرقين ، حتى لا يلفتوا الأنظار ، أو يجذبوا أي انتباه إليهم ، مع أن الحجاج كثيرون ، والمكان مكان تجمع وحركة ، والناس في عبادة ، وقد لا ينتبه إليهم أحد ! !
ولكنه الحذر والدقة والحرص . . ! !
وكذلك: هو الحس الأمني الذي تربى لديهم عندما سكن حب الدعوة والخوف عليها وعلى قائدها شغاف قلوبهم .
ثم وصلوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يدخلوا جماعة . . ! !
فكيف كان دخولهم ؟
يقول"فاجتمعنا عندها _ أي العقبة ، التي اجتمعوا عندها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رجل ورجلين"حتى اكتمل عددهم ، ثم بدؤوا فيما يهدفون إليه .
وينبغي أن يلاحظ جيدا
أنهم لم يدخلوا عليه جميعا دفعة واحدة ، أو عشرة عشرة . . ! !
وكان خروجهم من رحالهم على هذا النحو . . ! !
وكان سيرهم في الطريق على هذا النحو . . ! !
وكان دخولهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا النحو . . ! !
وكان ذلك: حتى لا يثيروا الانتباه ، ويلفتوا الأنظار إليهم ، ويجلبوا المتاعب عليهم ، ويضيع هدفهم ، ويخيب سعيهم ، وقد يبطش بهم أعداؤهم ، ويؤذون صاحبهم ، دون ذنب جنوه ، أو مكسب حققوه ، ولذلك _ لما تصرفوا على هذا النحو - وصلوا إلى غرضهم ، ونجوا من عدوهم
هذا . .والذي لفت نظرنا إلى هذا الدرس من دروس الهجرة النبوية: أنه ما خلا عصر ، وما سلم مصر من الكيد لهذه الدعوة ، والتربص برجالها ، منذ يوم هؤلاء النفر من الأنصار ، وإلى يومنا هذا ، وإلى يوم الدين ، وهذه هي حكمة الله تعالى ( يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا آن يتم نوره ) "49"
كما أن توافر الحس الأمني ، الداعي إلى الحرص الواعي الشديد: ينبغي أن يتحلى به العاملون في الحقل الإسلامي ، الداعون لإعادة الحياة إلى حمى الإسلام ، أو إعادة الإسلام للهيمنة على الحياة ، وإنقاذ أهلها من الضياع ، الداعون للدولة الإسلامية ، الساعون لرفع رايتها .
خاصة: وأن البعض منهم قد لا يعير هذا الأمر انتباها أو اهتماما ؛ نظرا: لعدم أهميته وضرورته فيما يرى ، أو لعدم درايته بالجو العام المحيط بالدعوة وأهلها في _ هذا الزمان، و _ كل زمان .
ولذلك: قد يصاب بما يؤذيه ، بل قد يناله ما يفتنه ، مما كان هو في غنى عنه لو حرص على توافر هذا الحس الأمني لديه
وكذلك: قد يصاب غيره _ بسببه _ بما يؤذيه ، أو بما يعوقه عن أداء ما تتطلبه منه الدعوة ، بشكل أو بآخر ، ولزمن قد يطول وقد يقصر .
ومن جهة ثالثة: قد يصاب الصف كله بسبب عدم حرصه هذا ، بعرقلة المسيرة ، أو بتعطيلها وتأخير وصولها إلى الغرض المنشود .
وليس الذي نقول: هو من باب إنكار الابتلاءات ، أو التهرب منها ، حيث إنها سنة إلهية للاختبار والتمحيص ، والنجاة منها ، أو النجاح فيها: منة من الله تعالى على أصحاب الدعوات .
( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) "50"
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) "51"
إنما هو من باب: سؤال الله العافية عملا ، لا قولا فقط ، ومن باب: حث المسلم على سعة الأفق ، ودرايته بالواقع المحيط به وبدعوته وبأصحابها ، وكذلك من باب الحرص على عدم تعرضه ، أو تعريض غيره ، أو دعوته ، للضرر ، دون أن يدري * * * *
ولذا: فعلى أصحاب الدعوة: فهم هذه الفائدة جيدا ، والحرص الدائم على التحلي بها وعدم التخلي عنها ، والتعامل مع الأجواء والظروف المحيطة بهم وبدعوتهم ، بكياسة المؤمن وفطنته ، وخوفه على دينه ، وحرصه على نجاح ونشر دعوته .
حدث الهجرة ماض مشرق وحاضر مظلم
قبل ألف وأربعمائة وعشرين سنة هاجر محمد - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة فارًا بدينه، ومتوكلًا على ربه بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وتمالى أئمة الكفر وصناديد الباطل على محاولة قتله، وتخطف دهاقنة الجاهلية أصحابه وآذوهم وعذبوهم بغية فتنتهم عن دينهم، وإرجاعهم لعبادة الأصنام والأوثان من جديد بعد أن منّ الله عليهم بنعمة الهداية، وأخرجهم من ظلام الجاهلية، وأنقذهم من براثن الكفر .
وشاء الله عز وجل - بحوله وقدرته- وبعد اخذ رسوله صلوات الله وسلامه عليه بأسباب التمكين أن يكون حدث الهجرة نقلة نوعية، ويشكل تحولًا تاريخيًا في تاريخ الدعوة الوليدة لتنتقل بعدها من مرحلة بناء الجماعة إلى مرحلة تأسيس الدولة، ومن رفع شعار"كفوا أيديكم"بمكة إلى"الآن نغزوهم ولا يغزونا"بالمدنية، ومن الصبر على إيذاء الكفار وتحمل تعذيبهم وتهجمهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام إلى تجيش الجيوش، ورفع الرايات، وعقد البيعات على الموت لمجرد أن مسلمًا قتل أو أشيع أنه قتل على أيدي أعداء الإسلام، فعزَّ الإسلام والمسلمون، وذلّ الكفر والكافرون، وارتفعت راية لا إله إلا الله عالية خفاقة تناطح قمم الجبال، وتبلغ عنان السماء، وغدا نشيد الكون وحداؤه: إسلامية .. إسلامية .. إسلامية
واليوم ونحن نستقبل عامًا هجريًا جديدًا - 1421هـ- بدأت تطل علينا أيامه، وترمقنا دقائقه ولحظاته، نقف لتأمل ما انبثق عنه حدث الهجرة -قبل أربعة عشر قرنًا- الذي قلب الأوضاع كافة رأسًا على عقب بحيث صار للمسلمين دولة قوية مهيبة تنافح عنهم، وتتحدث باسمهم، وتحفظ حرماتهم ومقدساتهم، ويحسب لها الأعداء ألف حساب وبين ما أسفر عنه دخول العام الهجري الجديد، فنرى الفرق هائلًا، والبون شاسعًا، والمسافة بين الحدثين كبعد السماء عن الأرض ، وإذا أمعنا البحث في أحوال المسلمين ودققنا فيها النظر، فلن نجد إلا ما يقطع نياط القلوب، ويمزق أوصال النفوس، ويملأها حسرة وحزنًا وكمدًا، فمقدسات المسلمين ديست، وأعراضهم انتهكت، وأرضيهم احتلت، وأموالهم سلبت، ودماؤهم أريقت حتى تحققت فينا نبوة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها) وسبب حصول هذا التداعي، كما أوضحه قائدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه (لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت
لقد اتفقت دول الكفر قاطبة على حرب الإسلام بغية استئصال شأفة المسلمين، وطمس معالم دينهم، مستعينين بحكام العرب الخونة وأئمة الكفر العتاة الذين نصبوا أنفسهم آلهة تعبد من دون الله، لا ترضى أن يعصى لها أمر، أو يعارض أحد لها رأي، ومن خرج على سلطانها، وحارب باطلها، وصدع بكلمة الحق في وجهها، فسلخانات التعذيب في انتظاره، وحبل المشنقة من ورائه، وفتاوى بعض علماء السوء تبرر - بل توجب - قتله لخروجه على طاعة (ولي الأمر) وسلوكه غير سبيل المؤمنين ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا !!. إن المتأمل في حال أمتنا الإسلامية -خاصة في السنوات الخمس الأخيرة- يلحظ هجمة لا مثيل لها، ويرى تعاونًا لا شبيه له بين الحكومات العربية التي أعلنت - بدعم ومساندة وتأييد قوى الكفر العالمية من يهود ونصارى وغيرهم- حربًا لا هوادة فيها ضد الحركات الإسلامية لاسيما الجهادية منها، وسارعت الى عقد عشرات المؤتمرات تحت شعار"مكافحة الإرهاب"ووقعت العديد من الاتفاقيات تحت باب"تنسيق الجهود الأمنية"لغرض التضييق على تلك الحركات والإيقاع بأفرادها، وتسليمهم لبلدانهم رغم حدة الخلافات وشدة العداوات فيما بينها، والتي تبدو ظاهرة للعيان كالشمس في رابعة النهار، لكن لما كان الأمر متعلقًا بحفاظ هؤلاء الطواغيت على عروشهم، وخوفهم من فقدهم لكرسي الحكم، اتفقوا فقط في هذا الباب، وبدا ذلك واضحًا من خلال استمرار مؤتمر وزراء الداخلية العرب في الانعقاد بصورة دورية دون أن تحل به لعنة الخلافات، أو تمسه آثار العداوات في حين تبقى مسألة عقد قمة عربية لهؤلاء الطواغيت لمناقشة أي قضية طارئة في إطار الأخذ والعطاء، وتستغرق للتحضير و الإعداد لها زمنًا طويلًا، وفي غالب الأحيان تلغى ويرمى بها إلى سلة المهملات ولا من باكٍ أو متحسر عليها .
إن حدث الهجرة وما تبعه من أحداث غيرت كل الموازين، وقلبت كافة المعادلات في جزيرة العرب، لم يأت من فراغ، ولم يتحقق دون جهد ونصب، فلقد كابد رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعانى الأمرين من أجل إقامة دولة يأزر إليها المسلمون، ويحتمي بها الخائفون، ، وسعى هنا وهناك باحثًا عن النصرة، وطالبًا للمؤازرة والمنعة حتى تعرض بسبب ذلك للإيذاء ، ونال منه السفهاء والرعاع كما حصل له في رحلته إلى الطائف ، لكن الرسول الكريم لم يدع اليأس يطرق قلبه، ولا الوهن يصيب فؤاده، رغم ضخامة المهمة، وجسامة التكليف، ووعورة الطريق، ولهذا رأيناه بعد سنتين من حادثة الطائف ينجح في الحصول على المنعة والنصرة من الأوس والخزرج، ويحكم على ضوء ذلك خطته، ويعد أصحابه إيذانًا بقرب انبلاج فجر الإسلام، وانقشاع ظلام الجاهلية.. وقد كان .
لقد كانت الهجرة أهم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية، ومن خلالها ظهر الكيان السياسي للامة الإسلامية (ولأهميته كان التأريخ بالهجرة ولم يكن بغيرها من الأحداث الهامة كالميلاد والبعثة أو وقعة بدر أو ما شابهه) والمسلمون اليوم بحاجة ماسة إلى استذكار معاني الهجرة واستحضار دروسها لان الإسلام لا يرضى لاتباعه أن تحكمهم قوانين الكفر، ولا أن تظلهم أحكام الجاهلية كما هو حاصل الآن، بل لابد من الهجرة إلى دار الإسلام ليكونوا من جنودها، ويقاتلوا تحت رايتها، وينعموا بالأمن والسلام فيها، وإذا عدمت هذه الدار -كما هو حاصل الآن- فإن المسلمين مدعوون لإيجادها ، وإعداد العدة والجهاد في سبيل الله، والتعاهد على نصرة هذا الدين بأموالهم وأنفسهم تمامًا كما فعل الأنصار قبل أربعة عشر قرنًا .
ــــــــــــ