فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 205

أ. سيد نزيلي

الهجرة النبوية بداية عهد جديد للأمة الإسلامية، وقد عانى المسلمون في مكة ثلاثة عشر عامًا.. عانوا أشدَّ ألوان الاضطهاد والإيذاء والإيلام.. وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمر على المعذَّبين منهم ولا يملك إلا أن يقول:"صبرًا آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنة".. وقتها لم تكن الدعوة قادرة على ردِّ العدوان ودفع الأذى.. ووقف العسف والظلم.. ولم يكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يُمني المستضعفين بقرب فتح أو تمكين، وبحلول نصر عاجل، أو بُشارة مغنم دنيوي عاجل.. وكان الخطاب الرباني لهذه الفئة المستضعفة.. القوية بإيمانها.. الشديدة التعلق بربها ?أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ? (النساء: 77) فكفُّ اليد، وإعداد الفرد الرباني، وتحرير القلوب والنفوس من كل الجواذب والتعلقات.. وربطها توًّا بالله عز وجل.. وقتها أحست هذه النفوس بالاستعلاء بالإيمان، وبالقوة والعزة ?مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا? (فاطر:9) .

إنَّ المرحلة التي سبقت هجرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- كانت مرحلة صقل وتمحيص، وإعداد وتأسيس، وتجهيز اللبنات الصالحة لقيام بنيان قوى متين.. وقد تعهدهم- صلى الله عليه وسلم- بالتربية، وخلعهم من رواسب الماضي، وأخذ بأيديهم إلى نور الهداية وصواب الطريق، وكان هناك معلمان بارزان:

الأول: أنَّ المنهج الرباني التربوي في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وفي كل زمان إنما ينقل النفوس من الموت إلى الحياة ?أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا? (الأنعام: 122) ، فالحياة الحقة في ميزان الإسلام هي للمؤمن الصادق.. العارف حق ربه.. ينطلق في هذه الدنيا ليملأها فضلًا وخيرًا وعفافًا وطهرًا.

الثاني: أن هذا الدين قد أخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور ?اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ? (البقرة: 257) .

هذا ما تربى عليه الرعيل الأول الذي تلقى الهداية مباشرةً من نور النبوة.. وهو نفس النهج الذي يسير عليه الصالحون في كل زمان، الذين يعملون لنصرة الإسلام والتمكين له. ولذلك فإنَّ المسلم الصادق ينطلق بهذا النور إلى الدنيا كلها؛ يعمرها بالإيمان ويحييها بالقرآن، وهو نفس المعنى الذي ترجمه"ربعي بن عامر"- رضوان الله عليه- الذي خاطب"رستم"قائد الفرس قائلًا:"ابتعثنا الله ليُخرج مَن شاء من عبادة العباد، إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، والإسلام قدَّم- ومازال- نماذجَ رائعة النقاء والطهر والسمو والرفعة.

ومن دروس الهجرة.. أن يملأ الأمل في نصر الله نفوسَ المؤمنين الصادقين؛ ذلك أنَّ نصر الله قريب من المؤمنين، و?إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا? (الشرح:5) ?وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ? (يوسف: 21) وأنه ?كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي? (المجادلة: 21) ، والمسلم لابد أن يعيش هذا الأملَ ويملأ قلبه الثقة واليقين بوعد الله عز وجل.. ونستطيع أن نستجلي ذلك في موقفين:

الأول: عندما أعلنت قريش عن جائزة كبرى"100"مائة ناقة لمن يدل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، ويمنعهما من الهجرة ويُعيدها إلى مكة.. وقد أغرى ذلك"سراقة بن مالك".. وجهز راحلته وسلاحه، ومضى في إثر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وصاحبه يريد اللحاق بهما والقبض عليهما.. وما كاد يقترب منهما حتى ساخت أرجل فرسه في الأرض، فلا يستطيع حركة.. ويستعطف رسول الله أن يعفو عنه ويستغفر له، وتعهد بعدما رأى الآية ألا يُؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا يدل عليه، ولا يعين أحدًا كذلك على الإضرار به، وأهمُّ ما في بعض الروايات في هذا الموقف أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعد"سراقة بن مالك"أن يرجع ويكون له"سواري كسرى"، وكتب له كتابًا وعهدًا بذلك.. وقد أسلم"سراقة"وحسن إسلامه بعد فتح مكة. ولمَّا فتح الله على المسلمين بلاد فارس بعد حادث الهجرة بحوالي عشرين سنة في خلافة"عمر بن الخطاب"- رضي الله عنه- وعندما جاءت الغنائم إلى المدينة، ومن بينها"سواري كسرى"طالب"سراقة بن مالك"بحقه بعدما أظهر صكًا بذلك من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأعطاهما إليه عمر.

الثاني: أنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد أن أمر المسلمين بحفر الخندق في شمال المدينة المنورة لمنع قوى الأحزاب المتألبة من دخولها وغزوها.. شارك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الحفر، ولمَّا اعترضته صخرة عظيمة.. كان-صلى الله عليه وسلم- يضربها بالمعول فتخرج شرارًا.. فيقول- صلى الله عليه وسلم-"الله أكبر فتحت قصور قيصر.. الله أكبر خربت خيبر".وهكذا فإنَّ الأملَ في نصر الله، والتمكين لدين الله كان دائمًا يبشر به رسول الله-صلى الله عليه وسلم- حتى في أشدِّ حالات التضييق والحصار.

وفي أيامنا هذه.. تواجه الأمة الإسلامية شتى ألوان الحصار والتجنيب والتهميش، ومهما اشتدَّ الكرب، وتجمع الأعداء من كل حدب وصوب.. وتكالبت جميع القوى.. ومهما كان يُعانيه الإخوة الفلسطينيون من قتل وتشريد وتخريب وتجريف، ومهما كان شأن الاحتلال الأمريكي الشرس للعراق وأفغانستان، ومهما بدت الصورة معتمة إلى حد ما، ومهما حاول طمس معالم الشخصية الإسلامية بالتدخل في تعديل وتغيير مناهجها الدراسية والتعليمية لصوغها، وفق أهوائهم وسلبها أهم مقوماتها الأساسية.. وهي القرآن والسنة والجهاد، أقول مهما فعلوا ذلك كله وغيره.. إلا أننا على ثقة ويقين بأنَّ الإسلام سيظل سليمًا محفوظًا؛ فهو محفوظ بحفظ الله له، وبقيام فئة مؤمنة واثقة تعمل له، وتحيا من أجل الدفاع عنه.. تتخذ الله غايتها، والقرآن دستورها والرسول قائدها والجهاد سبيلها والموت في سبيل الله أسمى أمانيها.

?وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ? (يوسف: 21) .

? من قيادات جماعة الإخوان المسلمي

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت