فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 205

للدكتور عبد المنعم حسنين

أستاذ بالدراسات العليا بالجامعة ورئيس شعبة الدعوة بها

تمهيد

كان شروق شمس الإسلام نقطة تحول في تاريخ المسلمين بخاصة، وفي تاريخ البشرية بعامة، لما أحدثه من تغيير جذري في حياة المسلمين، وفي مظاهر حضارتهم، ثم ما أحدثه في الحضارة الإنسانية في القرون التي تلت ذلك الحدث العظيم، وهو تغيير ستظل آثاره باقية إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.

وكانت هجرة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى يثرب بداية لقيام دولة المسلمين، بقيادة النبي الأمين في هذه المدينة الطيبة التي أصبحت القلب النابض في الدولة الإسلامية وصارت مركز إشعاع للدعوة الإسلامية، وسميت المدينة المنورة، وانتشرت منها أشعة شمس الإسلام، دين اللّه الحق، فاستضاء بنور الإسلام أَهل الأرض في كثير من أنحائها، فخرجوا من الظلمات إلى النور، وهدوا إلى سواء السبيل.

وكان من نتيجة ذلك التحول العظيم في مظاهر الحياة في المدينة المنورة، قاعدة الدولة الإِسلامية، بعد استقرار الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- فيها، أَن أصبح للعمران في المدن الإسلامية بعد ذلك خصائص واضحة مميزة جديرة بأن يدرسها، ويهتم بها المشتغلون بتخطيط المدن، ويتبينوا آثارها في الحضارة الإسلامية.

وسأحاول في هذا البحث أن أبين أهم خصائص العمران في المدينة المنورة في عصر رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- وهي الخصائص التي ظهرت بوضوح في المدن الإسلامية الأخرى، بعد عصر الرسول في أنحاء العالم الإسلامي الكبير، حين اتسعت دولة الإسلام، وغلبت صبغته على مظاهر الحياة، عند كثير من شعوب العالم على اختلاف أماكن هذه الشعوب، وأجناسها وألوانها وألسنتها وبالله التوفيق.

أولا- المدينة قبل الإسلام:

كانت مدينة يثرب- التي تعد النموذج الأول والكامل للمدن الإسلامية- قبل الإسلام تقع في واحة خصيبة كثيرة العيون على الطريق التجاري بين اليمن والشام على بعد أكثر من أربعمائة كيلومتر من جهة الشمال من مكة المكرمة، وكانت تسكنها قبائل عربية قبل شروق شمس الإسلام.

وتفيد الأخبار التي وصلت إلى الدارسين أن قبائل العماليق سكنت مدينة يثرب واستقرت فيها، وهي قبائل تنتمي إلى العرب البائدة، وتدل الأخبار كذلك على حدوث هجرات يهودية إلى يثرب، وأن اليهود استطاعوا الانتصار على العماليق، مما مكنهم من النزول بيثرب والاستقرار فيها.وقد ذكرت كتب التاريخ أن الهجرات اليهودية إلى يثرب حدثت منذ عصر نبي اللّه موسى عليه السلام، ثم تتابعت في أوقات الغزو البابلي لفلسطين، ثم في أثناء احتلال الرومان لبيت المقدس، وبطشهم باليهود، وتدميرهم لهيكل نبي الله سليمان عليه السلام.

ومن المسلم به بين الدارسين أن اليهود سكنوا يثرب قبل الإسلام، فكان عدد من القبائل اليهودية يعيش في يثرب في الوقت الذي أشرقت فيه شمس الإسلام، وحين هاجر رسول الإسلام -صلى اللّه عليه وسلم- إلى هذه المدينة وأسس فيها دولة الإسلام، فأصبحت تسمى المدينة المنورة وظهرت فيها الخصائص المميزة للمدن الإسلامية في شتى أنحاء العالم.

ومن القبائل اليهودية التي كانت تسكن يثرب -وقت ظهور الإسلام- بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، إلى جانب القبائل العربية الساكنة فيها، وكان أشهر هذه القبائل العربية الأوس والخزرج.

ومن المرجح أن اليهود سكنوا مدينة يثرب قبل أن يسكنها الأوس والخزرج، وأن اليهود كانوا يشتغلون بالزراعة ويملكون جزءًا من أراضي المدينة، ويقيمون الحصون والأطم ليحتموا بها، وليحفظوا بها حاصلاتهم الزراعية.

أما الأوس والخزرج فهم من قبائل الأزد اليمنية التي هاجرت من اليمن بعد تهدم سد مأرب واتجهت شمالًا، فأقام جزء منها في بادية العراق، وأقام جزء آخر في مكة، وواصل جزء ثالث منها سيره حتى بلغ بادية الشام فأقام فيها، ووصل جزء رابع إلى منطقة يثرب فأقام فيها، وكانت مضاربه بجوار اليهود، وكان الأوس والخزرج يشكلون أفراد ذلك الجزء الرابع من قبائل الأزد اليمنية الأصل، وكانوا يعرفون مدينة يثرب جيدًا، لأنها تقع على الطريق التجاري بين اليمن والشام.

وكان اليهود ينظرون باستعلاء إلى الأوس والخزرج في بداية الأمر، ثم ما لبثوا أن حالفوهم، غير أن الأحوال تغيرت بعد ذلك، فقويت شوكة الأوس والخزرج، ورجحت كفتهم، بعد أن تغلبوا على اليهود، فأخذوا يملكون جزءًا من الأراضي الزراعية، ويبنون الحصون، فصارت لهم الكلمة العليا في المدينة وأخذ نفوذ اليهود في الضعف.

وتنافس الأوس والخزرج على السلطان، فظهر الشقاق بين صفوفهم، مما أدى إلى اشتعال نيران الحروب بين الطرفين، واستمرت هذه الحروب زمنًا، وتبادل الطرفان النصر والهزيمة، واضطربت -في أثنائها- الأحوال في المدينة، فاستغل اليهود تمزق الصف العربي، وحالف بعضهم الأوس، بينما حالف بعضهم الآخر الخزرج، ليزيدوا الصف العربي تمزقًا وضعفًا، وليزيدوا الأحوال في المدينة اضطرابًا، وظلت الأحوال مضطربة إلى وقت شروق شمس الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي.

وتفيد الأخبار المروية أن الصراع بين الأوس والخزرج ظل قائمًا إلى وقت قريب من هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى مدينة يثرب، وأن يوم بعاث كان آخر مظاهر الصراع بين الطرفين، وكان ذلك قبل الهجرة النبوية بخمسة أعوام.

وكانت طبيعة مدينة يثرب الجغرافية تيسر الحياة فيها، حيث المياه وفيرة، والعيون كثيرة، والأرض خصبة، تجود فيها الزروع المختلفة، ويكثر فيها النخيل مما يجعل العيش فيها أكثر يسرًا من العيش في مكة الشديدة الجفاف، لوجودها في واد غير ذي زرع، تحاصره الجبال، وتقل فيها المياه.

غير أن التكوين السكاني في مدينة يثرب قبل الإسلام لم يساعد على إيجاد تجانس بين سكانها الذين كانوا من اليهود والعرب، فلم يكن الوئام سائدًا بين الطائفتين، كما أن العرب أنفسهم كانوا متخاصمين تكثر بينهم الحروب -كما ذكرنا- فانعدم الاستقرار في المدينة قبل الإسلام، وافتقدت التنظيم الإداري الصحيح الذي يجعل الطمأنينة تسود ربوعها، مما أثر في النواحي العمرانية فيها قبل هجرة الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- إليها.

وهكذا أثر انعدام التجانس السكاني في المدينة قبل الهجرة النبوية في شكل العمران فيها، فكان سكانها يعيشون في وحدات منفصلة، وفي قبائل متنافرة تخشى كل منها الأخرى، وتبني الحصون لتحتمي بها إذا هوجمت، فلم تستطع المدينة قبل الإسلام منافسة مكة في التقدم والزعامة، برغم تيسر الحياة في المدينة لوجود الزراعة فيها، ووفرة المياه، لأن مكة كانت ذات تكوين سكاني يساعد على الاستقرار والتقدم، فكان أكثر سكانها من العرب تحب زعامة قريش، مما ساعد على تنظيم أمور الإدارة والحكم، كما ساعد وجود البيت الحرام بمكة على جعلها مهوى لنفوس العرب ومحل احترامهم جميعًا، مما أدى إلى نمو التجارة بهذه المدينة المقدسة، فقامت الأسواق فيها، للتعامل مع الوافدين إليها لزيارة الكعبة، فارتفع شأن مكة، وصارت لها الزعامة في شبه الجزيرة العربية بينما قل شأن مدينة يثرب لانعدام التجانس بين سكانها، وفقدانها التنظيم في الحكم والإدارة، وعدم وجود أماكن مقدسة فكانت لا تقوى على منافسة مكة في أهميتها وزعامتها.

وقد تغير هذا كله بعد هجرة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وتأسيس دولة الإسلام فيها، فأصبح للعمران فيها خصائص ظاهرة مميزة، وصارت هذه الخصائص واضحة في جميع المدن الإسلامية بعد عصر الرسول مما سنبينه فيما يلي:

ثانيًا- المدينة بعد الإسلام:

كانت هجرة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلوات الله وسلامه عليه- من مكة إلى مدينة يثرب أهم أحداث التاريخ الإِسلامي، لما كان لها من نتائج كثيرة في حياة المسلمين وتاريخهم ومظاهر حضارتهم بعامة، وفي المدينة وسائر المدن الإسلامية بخاصة، فقد ظهرت آثارها في التنظيم السكاني، وفي التنظيم العمراني، وفي جميع مظاهر الحياة بعد تأسيس الدولة الإسلامية في تلك المدينة المنورة.

فصارت مقرًا لرسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- ومركزًا لإشعاع الإسلام، دين اللّه ودين الحق الذي يزهق أمامه كل باطل، دين التوحيد، الذي يدعو إلى عبادة إله واحد لا شريك له، ويحارب الشرك والوثنية، دين المساواة، الذي لا يفرق بين الناس جميعًا، على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأمكنتهم ولا يفضل عربيًا على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى، لأن الناس جميعًا سواسية كأسنان المشط، فكلهم لآدم، وآدم من تراب، ولأنهم جميعًا مخلوقون من نفس واحدة كما قال اللّه الخالق سبحانه في أَول سورة النساء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} وقد جعل اللّه بحكمته الناس شعوبًا وقبائل ليتعارفوا.

قال تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .

وعلى هذا الأساس تبدو أهمية هجرة الرسول -صلى الله عدية وسلم- إلى المدينة واتخاذها قاعدة لدولة الإسلام، فقد أدى هذا الأمر إلى إيجاد تغيرات جوهرية في هذه المدينة بعد أن هاجر الرسول إليها وهاجرت معه فئة قليلة، أخرج أَفرادها من ديارهم وأموالهم، فرارًا بدينهم الحق، فأصبح على هؤلاء المهاجرين أَن يدبروا أمر معاشهم، في مقرهم الجديد بالمدينة، بعد أن تركوا ما يملكون في مكة ولم يلبثوا أن ظفروا برعاية اللّه وتوفيقه فارتفع شأنهم، وأَصابوا توفيقًا لم يصيبوا مثله في مكة وصارت لهم الغلبة والعزة لاتباعهم ما جاء في كتاب الله الكريم، وهدي الرسول ذي الخّلق العظيم، صلوات الله وسلامه عليه.

وكان اليهود في المدينة قبل الهجرة قد أعلنوا ما وجدوه في التوراة والإنجيل دالًا على بعثة رسول جديد، يدعو إلى التوحيد، ويختم به الأنبياء والمرسلون لأن اليهود كانوا أهل كتاب، فكانوا على يقين من بعثة رسول الإسلام، أما الأوس والخزرج فكانوا وثنيين، وكان اليهود يعيرونهم بوثنيتهم، فلما بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودعا الناس إلى الدخول في الإسلام، حتى يسعدوا في الدنيا والآخرة، كان الأوس والخزرج الوثنيون أكثر استعدادا لتقبله من اليهود الذين أعماهم الحقد عن رؤية الحق وأصم آذانهم الكره فلم يستمعوا إلى نداء رسول الهدى بل ناصبوه العداء، وكان الأوس والخزرج في وقت شروق شمس الإسلام أصحاب الكلمة العليا في المدينة برغم تناحرهم، فكانت استجابتهم لنداء الحق ودخولهم في الإسلام من العوامل الميسرة للرسول وللذين آمنوا معه أَن يهاجروا إلى المدينة دون أن يخشوا عداوة اليهود لهم، وكان وصول الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- إلى المدينة، واتخاذها مقامًا ومقرًا لدولة الإسلام إيذانًا ببدء تنظيم عمراني جديد ظهرت فيه صبغة الإسلام، وأصبحت له خصائص مميزة صارت واضحة ظاهرة في المدن الإسلامية بعد ذلك، وما زالت واضحة ظاهرة إلى يومنا هذا.

وكان المسلمون على قلة عددهم -وقت الهجرة- أقوياء بإيمانهم بالله، وثقتهم في نصره، وفي أنهم سيهزمون أعداء الله مهما كثروا، بعد أَن باعوا أنفسهم وأموالهم للّه عز وجل وأصبحوا يتوقون إلى الظفر بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة وهكذا أخذ مجتمع المدينة بعد الهجرة النبوية يتشكل على أَساس جديد من العقيدة يختلف اختلافًا جوهريًا عن مجتمعها قبل الهجرة، الأمر الذي ظهرت آثاره بوضوح في العمران في هذه المدينة المنورة الطيبة في عصر الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- وقد أخذ الرسول الكريم بعد استقراره في المدينة يقيم دولة إسلامية تضم طوائف المدينة المختلفة دون تمييز بينها، فكان نظام الدولة من نوع جديد، لم يشهد له التاريخ مثيلا لأنه يقوم على أساس من الدين، الذي يقرر المساواة بين الناس جميعا ويكفل لهم حق الحياة الكريمة تحت ظله، ولا يكره أحدًا على الدخول في الإسلام.

وهكذا طبقت الدولة الإسلامية منذ قيامها مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أَجناسهم وألوانهم وعقائدهم، وأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ينظم الحياة في المدينة، وفقًا لمبادئ الإسلام القويمة. وكان سكان المدينة من الأوس والخزرج واليهود في حاجة إلى التوفيق بينهم، حتى تستقر الأحوال، ويختفي الاضطراب ويصفو الجو في المجتمع الجديد.

وكان نفر من الأوس والخزرج قد أسلموا قبل هجرة الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- إلى المدينة، ووصف الذين لقوا الرسول منهم قومهم بأنهم في حالة فرقة وشقاق، مما أورده ابن هشام في سيرته، وذكر أنهم قالوا للنبي:"فإن يجمعهم اللّه عليه- أي على الإسلام- فلا رجل أعز منك".

ثم جاء المهاجرون من مكة إلى المدينة، فانضافوا إلى سكانها من الأوس والخزرج واليهود، مما جعل المدينة في حاجة إلى تنظيم سكاني جديد، وتخطيط عمراني، يهيئ لدولة الإسلام السبيل إلى التقدم، لهداية الضالين إلى صراط الله المستقيم، وحمل نعمة الإسلام إلى العالمين.

وقد نظم الرسول الكريم -بتوفيق من رب العالميين- الحياة في المجتمع الجديد في المدينة المنورة، وثبت قواعد العمران فيها بعد أن أصبح -صلوات الله وسلامه عليه- الإمام والقائد يبلغ الوحي، ويغرس الثبات والصبر واليقين في قلوب المؤمنين وهو في الوقت نفسه ينظم الحياة في مجتمع الدولة الإسلامية ويحكم في كل خلاف يشجر بين أفراد هذا المجتمع، وييسر أسباب الحياة للمهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله، ونصرة لدين الحق الذي ارتضاه لعباده، وبعث به خاتم أنبيائه ورسله.

ومن الثابت أن المهاجرين استقبلوا استقبالًا حسنًا من إخوانهم المسلمين في المدينة، غير أن إقامتهم واستقرارهم وتدبير معيشتهم، كانت من الأمور التي تحتاج إلى تنظيم في مدينة يشكل اليهود جزءًا من سكانها، ويضمرون للمسلمين الحقد والكره والشر، مما يجعل من المتوقع أن يظهر غدر اليهود بالمسلمين في وقت من الأوقات، ويدعو إلى أخذ الحيطة والحذر، كما أن الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- ترك وراءه في مكة عدوًا لدودًا من المشركين المنكرين لدين اللّه الحق، وكان هذا العدو يتربص بالمسلمين الدوائر ويبيت في نفسه العدوان، فكانت حماية المسلمين في المدينة من عدوانه تحتاج إلى تثبيت الجبهة الداخلية في المدينة، وبنائها بناءً قويًا يستطيع الصمود في وجه الخطر الخارجي المتوقع.

وقد عالج الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- هذه الأمور جميعًا- بعد استقراره في المدينة- معالجة حكيمة، فنظم الحياة بين سكان المدينة تنظيمًا يكفل لهم الاستقرار والتعاون فيما بينهم لصد الخطر الخارجي، وأرسى قواعد دولة إسلامية عظيمة لا مثيل لها في التاريخ، فأصبح للعمران في المدينة المنورة خصائص مميزة سنعرضها فيما يلي:

ثالثًا- خصائص العمران في المدينة:

نستطيع التعرف على خصائص العمران في المدينة المنورة في عصر الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- إذا درسنا أَعمال الرسول الكريم بعد هجرته واستقراره في المدينة، وإقامته دولة الإسلام فيها.

وكان مجتمع المدينة يتكون من طائفتين واضحتين بعد الهجرة النبوية، طائفة المسلمين وطائفة غير المسلمين، وكانت طائفة المسلمين تتكون من المهاجرين الذين هاجروا مع الرسول من مكة إلى المدينة، ومن الذين أسلموا من أَهل المدينة من الأوس والخزرج، ومن الذين أسلموا من اليهود وهم قلة.

أما طائفة غير المسلمين فكان أكثر أفرادها من اليهود ثم من الذين لم يسلموا من الأوس والخزرج.

وقد حرص الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- على توفير أسباب الحياة الآمنة المريحة لجميع سكان المدينة المنورة من مسلمين وغير مسلمين مع صبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية، فجعل للعمران خصائص أهمها:

1-المسجد مركز تجمع المسلمين:

كان أول عمل قام به الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- بعد استقراره في المدينة بناء المسجد، ليكون مكانًا يجتمع فيه المسلمون، وكان هذا العمل من جانب الرسول دليلا على أن بناء المسجد هو أول سمة من سمات المدن الإسلامية، وأول شيء يجب أن يبنى فيها، فهو أول خصيصة من خصائص العمران في ظل الإسلام، ولذلك بدأ الرسول الإمام القائد -صلى اللّه عليه وسلم- به في المدينة المنورة حين صارت مقرًا له، وقاعدة للدولة الإسلامية، وقد صار هذا العمل أهم خصائص العمران في المدن الإسلامية في أنحاء العالم المختلفة، فكان أول عمل يقوم به قائد المسلمين المجاهدين بعد النصر والفتح بناء مسجد في المدينة المفتوحة، وقد فعل المسلمون هذا في كل مدينة يسر اللّه لهم فتحها سواء في بلاد الفرس أو في بلاد الهند أو في أي مكان آخر من العالم، تمكن المجاهدون المسلمون بفضل اللّه من الوصول إليه، وكان المسجد مركز تجمع المسلمين في العبادات، وفي الدراسة والتعلم، وفي المعاملات، كما كان المسجد مركز إشعاع، يشع منه نور الإسلام في المنطقة التي أشرقت عليها شمس الدين الحنيف.

لقد كان ما فعله الرسول -صلى اللّه عليه وسلم- بعد استقراره في المدينة المنورة بقليل سنة، اتبعها ولاة المسلمين وقادتهم بعد عصر الرسول الكريم، فقاموا ببناء المساجد في المدن الإسلامية وجعلوا بناء المسجد أول عمل يقومون به.

وكان المسجد هو المقر الذي اتخذه رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- في المدينة المنورة، وهو إمام المسلمين وقائدهم، لأنه المكان الذي تؤدى فيه جماعة المسلمين الصلوات والشعائر الدينية، وتتشاور فيه في شؤونها المختلفة، من حرب وسلم ومعاملات، وتستقبل فيه الوفود، فهو المكان الذي تتحد فيه القلوب، ويشعر فيه الجميع بأنهم في ضيافة الله سواسية لا فرق بين حاكم ومحكوم وغني وفقير وقوي وضعيف وعالم وجاهل، فالكل عبيد اللّه يرجون رحمته، ويخشون عقابه، ويدعونه ضارعين طالبين مغفرته ورضوانه، وهكذا تبدو أهمية البدء ببناء المسجد في المدينة الإسلامية وجعله الخصيصة الأولى من خصائص العمران في المدن الإسلامية.

2-إقامة ولي الأمر بجوار المسجد:

أما الخصيصة الثانية من خصائص العمران في المدن الإسلامية، فهي إقامة ولي الأمر بجوار المسجد، وقد فعل رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- هذا الأمر بعد استقراره في المدينة المنورة، فقد اتخذ مسكنه بجوار المسجد بعد بنائه، وكان صلوات اللّه وسلامه عليه يخرج من بيته إلى المسجد رأسًا- كما ذكر ابن هشام في سيرته- فأصبح هذا الأمر تخطيطًا عمرانيًا طبق في المدن الإسلامية بعد عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- اقتداءً به، وتطبيقا لسنته، فكان ولاة المسلمين يقومون ببناء المساجد أولًا ثم يبنون بيوتهم ودواوينهم بجوار المساجد، فكان مسكن الوالي في عاصمة ولايته بجوار المسجد.

وقد حقق هذا الأمر فائدة كبرى فقوى الصلة بين الراعي والرعية، ووثق الرابطة بين أفراد الجماعة الإسلامية، وزاد الألفة بينهم، فصار المؤمنون جسدًا واحدًا، يشعر كل عضو فيه بما يصيب العضو الآخر، وقوى بذلك بناء المجتمع الإسلامي، وأصبح مجتمعًا فريدًا، لم يشهد له التاريخ مثيلًا في سمو الخلق، وصلة الرحم، وانتشار التراحم والتعاطف والود بين أفراد المجتمع بحيث يحب الواحد منهم لأخيه ما يحبه لنفسه، بل قد يؤثر أخاه على نفسه لأنه يراقب اللّه في كل أعماله، ويرجو بها ثواب الله ويخشى عقابه.

2-العقيدة تحدد مكان الإقامة:

والخصيصة الثالثة من خصائص العمران الإسلامية هي تحديد مكان الإقامة في المدينة الإسلامية على أساس العقيدة، وقد اتضح هذا الأمر منذ استقرار الرسول الكريم -صلى اللّه عليه وسلم- في المدينة المنورة، واتخاذها قاعدة لدولة الإسلام.

وكان المسلمون في المدينة يتكونون من المهاجرين الوافدين مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومن الذين أسلموا من سكان المدينة الأصليين من الأوس والخزرج وبعض اليهود وهم الذين سموا الأنصار، لأنهم هم الذين آووا المهاجرين من مكة ونصروهم.، بعد أن تركوا ديارهم وأموالهم وأصبحوا في حاجة إلى ضمان معيشتهم في المدينة المنورة.

وقد أحسن المسلمون من سكان المدينة الأصليين استقبال إخوانهم المهاجرين وأعطوهم شيئًا من المال، كما سمحوا لهم بالتجارة والزراعة، فعمل بعض المهاجرين في مزارع إخوانهم الأنصار مزارعة، واستطاع المهاجرون بذلك أن ينظموا أمور معيشتهم.

وهكذا أصبحت العقيدة هي الأساس الذي قام عليه التنظيم العمراني في المدينة المنورة في عصر الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - وصار مبدأ الأخوة الإسلامية هو السائد في المجتمع الإسلامي وهو المبدأ الذي قرره اللّه جل وعلا في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وقرره الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- في قوله"المسلم أخو المسلم"وبهذا أصبحت رابطة العقيدة أقوى من رابطة الدم، لأن لحمة الدم فشلت - قبل الإسلام في التأليف بين قلوب سكان المدينة الأصليين - كما ذكرنا - فأحل الإسلام محلها رابطة العقيدة، وجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الرابطة خصيصة من خصائص التنظيم العمراني في قاعدة دولة الإسلام، ثم أصبحت خصيصة من خصائص العمران في المدن الإسلامية بعد عصر الرسول.

وكانت رابطة العقيدة هي التي أصلح بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - - بين الأوس والخزرج، وجمعهم في اسم واحد هو الأنصار، فبعدت عنهم روح العصبية، وتآلفوا لنصرة دين الله الحق الذي أنعم اللّه به عليهم، وصار ذلك الاسم علمًا عليهم، فعرفوا جميعًا به.

كما ألف الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - برابطة العقيدة بين المهاجرين والأنصار، وجعل المؤاخاة هي الأساس الذي يبنى عليه التآلف، فجعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلًا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين، تربط بينهما المؤاخاة برباط كرباط الدم.

وقد حققت المؤاخاة الهدف المنشود، فألفت بين قلوب المسلمين جميعًا في المدينة المنورة من مهاجرين وأنصار، فكان رباط العقيدة أقوى أسس التنظيم العمراني في المدن الإسلامية في مختلف العصور.

4-تنظيم العمران والحياة وفقًا لدستور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت