د. محمد عمر دولة*
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على رسولِ الله الأمين، وعلى آله وصحبِه أجمعين. وبعد، فإنَّ في الهجرةِ دُروسًا إداريةً عَديدةً وعِبَرًا مُفيدةً، نُحاوِلُ بيانَها في هذه العُجالة:
1)الهِجرةُ منهجٌ واقعي:
فالهجرةُ النبوية تُعلِّمُنا أنَّ الإسلامَ الذي خاض النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - من أجلِ تحقيقِه تلك الرحلةَ الشاقةَ والهجرةَ المباركَة ليس دِينَ جُمُودٍ وقُعُودٍ ورُكودٍ؛ ولكنه دِينُ إنجازٍ وإقْدامٍ وضَرْبٍ في مَناكِبِ الأرض:
يا هِجرةً طالَتْ مَسافتُها على مَن خُصَّ بالحرمانِ والخذلانِ!
يا هِجرةً طالَتْ مَسافتُها على كسلانَ مَنخُورِ الفؤادِ جبان! [1]
والهجرةُ من أحسن الأدلةِ على أنَّ دِينَنا ليس دِينَ سَذاجةٍ وفوضى، بل دِينُ نِظامٍ وإدارةٍ وتخطِيطٍ مُحْكَم، وفِعلٍ مُثْمِر مَلمُوسٍ وجُهْدٍ واقِعيٍّ محسُوسٍ، وإنْ اقتضى الأمرُ مُغادَرةَ الأوطانِ ومُفارقةَ الإخوان.
فلا ريبَ"أنَّ الدِّينَ الإسلامي لم يَصِلْ إلينا بسهولةٍ، بل بعدَ جُهدٍ وبذلٍ للأنفُسِ والأموال، ومُفارَقةٍ للأهلِ والديار. ففي البيعة الأولى كان الإيمان بالله ورسوله، وفي البيعة الثانية كان العهد على الهجرة، والجهاد. وبهذه العناصرِ الثلاثة: الإيمان، والهجرة، والجهاد، يتحقق وُجودُ الإسلام في واقعٍ جَماعيٍّ مُمكِن. والهجرةُ لم تكنْ لِتَتِمَّ لولا وُجودُ الفئة المستعدة للإيواء؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، [2] ولم تكن البيعةُ والهجرةُ والجهاد لِتَتِمَّ لولا انسلاخُ المؤمنين الجدَد مِن ولائهم القبلي والوَطنِي؛ للولاء الشرعي وتركِهم لقياداتِهم العشائرية إلى القيادة الإسلامية الواحدة...". [3]
2)الهجرة وثمرةُ التوكل:
ليست الهجرةُ مُجرَّدَ رِحلةٍ من مكانٍ إلى مكانٍ، أو انتِقالٍ في فترةِ محدَّدةٍ من الزمان. بل إنَّ أمرَ الهجرة أعظمُ نَظَرًا وأكثرُ عِبَرًا؛ ألا ترى أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد حَثَّ عِبادَه على أنْ يضربوا في الأرضِ ويَمشُوا في مَناكبِها ويبتغُوا مِن فضلِ الله؟ فقال جلَّ جلاله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُوْرُ) ، [4] وقال تعالى: (وآخرون يَضرِبُون في الأرضِ يَبتَغُون مِن فَضلِ الله) . [5] قال ابنُ كثير رحمه الله:"ومُسافرين في الأرضِ يبتغُون مِن فَضلِ الله في المكاسِب والمتاجر". [6] وقال البغوي رحمه الله:"يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزقِ الله". [7] وقال البيضاوي رحمه الله:"والضَّربُ في الأرضِ ابتغاءً للفضلِ: المسافرةُ للتجارةِ وتحصيلِ العلم". [8] وكذلك قال الألوسي رحمه الله. [9]
والفائدة التي نستخلِصُها من دُروسِ الهجرة: توكُّلُنا على الله ويقينُنا بنصرِ الله وتَمَسُّكُنا بشرعِ الله، ووُجوبُ الحفاظِ على مبادئنا وإنْ أُخْرِجْنا من دِيارِنا، ولُزومُ الثباتِ أمام ضُغوطِ الترغيبِ والترهيب. فاللهُ عزَّ وجلَّ وَلِيُّ المهاجِرِ إلى الله بالنصرِ والتأييد، كما قال تعالى في قصة الهجرة: (إلا تَنصُرُوه فقد نَصَرَه الله إذْ أخرَجَه الذين كفروا ثانِيَ اثنَيْن إذْ هما في الغارِ إذْ يقولُ لصاحبِه لا تحزَنْ إنَّ الله معنا فأنزلَ الله سَكِينتَه عليه وأيَّدَه بجنودٍ لم ترَوها وجعلَ كلمةَ الذين كفروا السُّفلَى وكلمةُ الله هي العُليا والله عزيزٌ حكيم) . [10]
3)الهجرة حياةٌ جديدة:
وقد دَعا الله عزَّ وجلَّ عِبادَه إلى التوكُّلِ عليه ووَعَدَهم مُراغَمًا كثيرًا وسَعةً، فقال جلَّ جلاله: (ومَن يُهاجِرْ في سَبيلِ الله يَجِدْ في الأرضِ مُراغَمًا كثيرًا وسَعَةً ومَن يَخرُجْ من بيتِه مُهاجِرًا إلى الله ورسولِه ثم يُدْرِكْه الموتُ فقد وَقعَ أجرُه على الله وكان الله غفورًا رحيمًا) . [11] قال القرطبِي رحمه الله:"اختُلِفَ في تأويلِ الْمُراغَم: فقال مجاهد: المراغَم المتزَحزَحُ [عمَّا يكرَه] ، [12] وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم: المراغَم المتحوَّل والمذهَب، وقال ابنُ زيد: المراغَم المهاجَر، وقاله أبو عُبَيدة. قال النحاس: [13] فهذه الأقوالُ مُتفِقةُ المعاني؛ فالْمُراغَم: الْمَذهَبُ والْمُتحَوَّلُ في حالِ هِجرةٍ، وهو اسمُ الموضِع الذي يُراغَم فيه". [14] وقال السعدي رحمه الله:"هذا في بيانِ الحثِّ على الهجرةِ والترغيبِ وبيانِ ما فيها من المصالِح؛ فوَعَدَ الصادِقُ في وَعْدِه أنَّ مَن هاجرَ في سبيلِه ابتِغاءَ مَرضاتِه أنه يجدُ مُراغَمًا في الأرضِ وسَعةً؛ فالْمُراغَمُ مُشْتَمِلٌ على مَصالِحِ الدِّينِ، والسَّعةُ على مصالِحِ الدنيا؛ وذلك أنَّ كثيرًا مِن الناس يتوهَّمُ أنَّ في الهجرةِ شَتاتًا بعد الأُلفةِ وفَقرًا بعد الغِنَى وذُلاًّ بعد العِزِّ وشِدةً بعد الرَّخاء. والأمر ليس كذلك". [15]
ورَحِمَ الله الصفدي حيث قال:
وما سافَرْتُ في الآفاقِ إلا ومِن جَدْواك راحِلَتِي وزادي!
مُقِيمَ الظنِّ عندك والأمانِي وإنْ قَلِقَتْ ركابِي في البلادِ! [16]
4)الهِجرةُ مُراغَمٌ وسَعَة:
قال الرازي رحمه الله مُبيِّنًا بعضَ الثمارِ الاجتماعية للسَّفر:"المشهورُ أنَّ هذه المراغَمة إنما حصلَتْ بسببِ أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارِهم. وعندي فيه وجهٌ آخر: وهو أنْ يكون المعنَى: (ومَن يُهاجِرْ في سبيلِ الله) إلى بلدٍ آخر يَجِدْ في أرضِ ذلك البلدِ مِن الخيرِ والنعمةِ ما يكون سَببًا لِرَغْمِ أنفِ أعدائه الذين كانوا معه في بلدتِه الأصلية؛ وذلك لأنَّ مَن فارقَ وذهبَ إلى بلدةٍ أجنبيةٍ فإذا استقام أمرُه في تلك البلدة الأجنبية ووصلَ ذلك الخبرُ إلى أهلِ بلدتِه خَجِلُوا من سُوءِ مُعامَلَتِهم معه، ورغمَت أُنُوفُهم بسببِ ذلك. وحملُ اللفظِ على هذا أقربُ من حَملِه على ما قالوه والله أعلم. والحاصلُ كأنه قيل: يا أيها الإنسانُ إنك كنتَ إنما تكرهُ الهجرةَ عن وَطنِك خوفًا مِن أنْ تقعَ في المشقةِ والمحنةِ في السَّفرِ؛ فلا تخفْ؛ فإن الله تعالى يُعطِيك من النِّعَمِ الجليلةِ والمراتبِ العظيمة في مُهاجَرَتِك ما يَصيرُ سبَبًا لرغمِ أُنُوفِ أعدائك؛ ويكون سَببًا لِسَعةِ عَيشِك! وإنما قُدِّم في الآية ذِكرُ رغمِ الأعداءِ على ذِكرِ سَعةِ العيشِ؛ لأنَّ ابتهاجَ الإنسانِ الذي يُهاجِرُ عن أهلِه وبلدِه بسببِ شِدةِ ظُلمِهم عليه بدَولَتِه؛ من حيث إنها تصِيرُ سَببًا لِرَغمِ أنوفِ الأعداءِ أشدُّ من ابتهاجِه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سَببًا لِسَعةِ العيشِ عليه". [17]
5)الهِجرةُ عِزةٌ:
قال القرطبي رحمه الله:"قال ابنُ العربي: قسَمَ العلماءُ رضي الله عنهم الذهابَ في الأرض قسمين: هَربًا وطَلبًا. فالأول: يَنقسِمُ إلى ستة أقسام: الأول الهجرة، وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام... وهذه الهجرة باقيةٌ مفروضةٌ إلى يوم القيامة، والتي انقطعَتْ بالفتحِ هي القَصدُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم...". [18]
ولا يخفى أنَّ في الهجرةِ عِزةَ نفسٍ ونجاةً من الذُّل. وقد حكى القرآنُ بأجملِ أسلُوبٍ همَّ المستضعَفِين وآمالَهم في الهجرةِ بالدين؛ فقال الله عزَّ وجل: (وما لكم لا تُقاتِلُون في سبيلِ الله والمستَضعَفِين من الرجالِ والنساءِ والوِلْدانِ الذين يقولُون ربَّنا أخْرِجْنا من هذه القريةِ الظالِمِ أهلُها واجْعَلْ لنا من لَدُنْك وَلِياًّ واجْعَلْ لنا مِن لَدُنْك نَصِيرًا) . [19]
قال ابنُ شبرين رحمه الله: [20]
لِي هِمَّةٌ كُلَّما حاوَلتُ أُمْسِكُها عَلى الْمَذَلَّةِ في أَوحالِ أَرضيها!
قالَت أَلَم تَكُ أَرضُ اللَهِ واسِعَةً حَتَّى يُهاجِرَ عَبدٌ مُؤمنٌ فيها؟
6)ذَمُّ مَن استُضعِفَ ولم يُهاجِر:
وقد ذمَّ القرآنُ مَن لم يُسافرْ إلى حيثُ يكونُ عزيزًا بدينِه حُراًّ في عقِيدتِه؛ فقال الله عزَّ وجل: (إنَّ الذين توفَّاهم الملائكةُ ظالِمي أنفُسِهم قالوا فيمَ كُنتم قالوا كنا مُستَضعَفِين في الأرضِ قالوا ألم تَكُنْ أرضُ الله واسِعةً فتُهاجِرُوا فيها فأولئك مأواهُم جَهَنمُ وساءَتْ مَصِيرًا إلا المستَضعَفِين من الرجالِ والنساءِ والوِلْدانِ لا يستَطِيعُون حِيلةً ولا يَهتَدُون سبيلا فأولئك عسى اللهُ أن يعفُوَ عنهم وكان الله غفُورًا رحيمًا) . [21] وقد رثَى النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِسَعدِ بن خولة حينما توفِّيَ بمكة. فقال صلى الله عليه وسلم: (لكن البائسُ سعدُ بن خولة) ، [22] قال ابنُ الأثير رحمه الله:"وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يكرهُ أنْ يموتَ الرجلُ بالأرضِ التي هاجرَ منها؛ فمِن ثَمَّ قال: (لكن البائسُ سعدُ بن خولة؛ يرثي له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ مات بمكة) ". [23]
وقد ذكر الأدباء أنَّ السفرَ يُنجي من الذُّلِّ، كما قال الحسن بن علي بن وكيع التنيسي: [24]
تَغَرَّبْ عَلى اِسمِ اللَهِ وَاِلتَمِسِ الغِنَى وَسافِرْ فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ
تَفَرُّجُ نَفسٍ وَاِلتِماسُ مَعيشَةٍ وَعِلمٌ وَآدابٌ وَرُفقَةُ ماجِدِ!
فَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَغُربَةٌ وَتَشتيتُ شَملٍ وَاِرتِكابُ شَدائِدِ
فَلَلْمَوتُ خَيرٌ لِلفَتَى مِن مُقامِهِ بِدارِ هَوانٍ بَينَ ضِدٍّ وَحاسِدِ [25]
7)تخطيط الهجرة:
لقد كان التخطِيطُ النبوي للهجرةِ في غايةِ الدقة، و"التخطيطُ يعنِي التفكيرَ والتدبِير، والتأمُّلَ العلمي في الأمور، ثم التبصُّرَ قبل اتخاذِ القَرار". [26] ومَنْ تدبَّرَ خطواتِ الهجرة النبوية أدركَ ما فيها من وضوحٍ الهدف، ودراسة البيئة المحيطة، واختيارِ أحسن الوسائل. وقد تقرَّرَ في علمِ (الإدارة) أنَّ"مراحلَ التخطيطِِ العلمي تتكوَّنُ من: مرحلةِ تحديد الأهداف، ومرحلة التنبؤ بالمناخ والبيئة المتوقع أن تتحقق الأهداف فيها؛ حتى لا تؤثر المتغيرات على الخطة، ومرحلة تقديرِ أفضلِ الطُّرقِ والوسائل التي يمكنُ بها تحقيقُ الأهدافِ المحددة". [27]
8)التمهيد للهجرة:
وقد مهَّد - صلى الله عليه وسلم - لنشرِ دعوةِ الإسلام وكلمة التوحيدِ، فبعث إلى المدينة مصعب بن عمير رضي الله عنه،"ولقد اختارَه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عن علمٍ بشخصيتِه من جهة، وعِلمٍ بالوضعِ القائم في المدينة من جهة أخرى، حيث كان رضي الله عنه - بجانب حفظه لما نزل من القرآن - يملك من اللباقة، والهدوء، وحُسنِ الخلق والحكمة، قدرًا كبيرًا، فضلًا عن قوة إيمانه، وشدة حماسِه للدين؛ ولذلك تمكن خلال أشهر أن ينشر الإسلام في سائر بيوتات المدينة، وأن يكسب للإسلام أنصارًا من كبار زعمائها، كسعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير، وقد أسلم بإسلامهما خلق كثير من قومهم". [28]
ثم كان التمهيد الآخر في (بيعة العقبة الثانية) حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُبايِعُكم على أنْ تَمنعُونِي مما تَمنعُون منه نساءكم وأبناءكم، قال: فأخذ البراءُ بن معرور بيده، ثم قال: نعم. والذي بَعَثَك بالحقِّ نبِيًا؛ فنحن والله أهل الحرب، ورثناها كابرًا عن كابر) . [29] ثم اعتمدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - منهم على اثنَيْ عشرَ نقيبًا؛ ليكونوا على قومِهم: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس؛ فقد عاهد الأنصار في هذه البيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإيواءِ والحمايةِ والنُّصرةِ والمنعة. [30] وقد أحسن الشيخ سلمان العودة حين قال:"قد كانت هذه البيعةُ هي التمهيدَِ الأخيرَ لهجرةِ النبِي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة، وبعدها بدأ المهاجرون يغادرون أرض مكة". [31]
9)الهجرة تحوُّلٌ من الجماعة المصغَّرة إلى الدولة:
فقد كانت المرحلةُ المكيةُ فترةً تربويةً للإعدادِِ العقدي للرجالِ المخلصين، والبناءِ العلمي للمؤمنين، وهذا من أوجبِِ الواجبات لقيامِ الدولة الإسلامية على تقوى من الله ورضوان. وقد ظهرَتْ ثَمرةُ هذا البناءِ التربوي العظيم ـ لعقولِِ الصحابةِ بالعِلم ولِِقلُوبِهم بالإيمان ـ في بناءِ دولةٍ للإيمان والعلم والعدل والدعوة؛ فلا تقومُ دولةٌ للإسلام إلا على بناءٍ للرجالِ على الإيمانِ والعلم؛ لينهضوا بأمانة حملِ الدينِ وإقامتِه ونشرِه على بصيرة، كما جاء بيانُ ذلك صريحًا في حديثِ حذيفة رضي الله عنه: (إنَّ الأمانةَ نزلَتْ في جَذرِِِ قلوبِ الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السُّنة) . [32]
وقد شَهِدَ المنصِفُون من علماءِ الغرب بأنَّ دينَنا دِِينُ عِلم! [33] ولله درُّ الشيخ سلمان العودة حين قال:"لقد وَلَّى التاريخُ وَجْهَه شطرَ المدينةِِ المنوَّرَة يرقُبُ حركةَ بناءِ الدولة الإسلامية الأولى، ثم حركةَ جهادِ هذه الدولة لتثبيتِ أركانِها، وتوسيع نطاقِها، وإخضاعِ الناسِ لحكم الله عزَّ وجل؛ فالمدينة لم تكن مَهربًا يلوذُ به المسلمون من ظلم قريش وبطشها وتعذيبها إلى حيث الدعة والسكون! كلا؛ وأنَّى لأصحابِ العقائد الحية الدعة والسكون؟! ولكنها كانت تحوُّلًا إلى جبهةٍ أخرى مُهيَّأة لانطلاقِ الدعوةِ ومواجهة الأعداء، وإظهار الدين ولو كره الكافرون". [34]
10)فقه الحذر في خطة الهجرة:
وأما الترتِيباتُ والاحتِياطاتُ التي اتخذها النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - للهجرة، فقد كانت دقيقةً جدا. وقد أحسن د. يحيَى اليحيَى في استِيعابِها بتفصيلٍ جامِعٍ، فقال:"لقد جاءت خُطةُ الهجرةِ والترتيبُ لها في غايةِ الإحكام والدقةِ في أخذِ الحيطة، وقد تَمثلَت في النقاطِ التالية: 1- اختِيارُ الصاحبِ المناسِب، وهو أبو بكر الصديق، اختارَه من بين جميعِ الصحابة كما في البخاري."
2-التعريض له بالخبر، فلم يقطَعْ له النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأمرِ الصُّحبةِ في الهجرة؛ وإنما قال: (لعلَّ الله يجعل لك صاحبًا) كما في البخاري.
3-إعدادُ راحِلَتَيْن قبل مُدةٍ طويلةٍ من الهجرة؛ إذْ لو اشترى الراحِلتَين قُبَيلَ الهجرة فربما لَفَتَ أنظارَ قريشٍ إلى ذلك، وماذا يريد أبو بكر بهاتين الراحِلَتَين إلا لأمْرٍ بيَّتَه مع محمد؟ وبخاصة بعد تفاقُمِ الأزمةِ واشتِدادِ الوحشةِ بعد بيعةِ العقبةِ الثانية، وهذه رواية البخاري.
4-دفع الراحِلتَيْن إلى الدليلِ قبلَ الهجرة، كما في البخاري.
5-زيارة أبي بكر كلَّ يوم، فقد كان النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يخطئه يومٌ أنْ يأتِيَ أبا بكر غدوةً وعشية، وعلى هذا لم يكن الأمر غريبًا على قريش في مجيئه إليه وقتَ التخطيط للهجرة، كما في البخاري.
6-تغيير الوقت المعتاد للزيارة، ولعل ذلك بسبب الرَّصَد مِن قِبَلِ قريشٍ لزياراته في الوقت المعتاد، كما في البخاري.
7-اختِيارُ الوقتِ المناسِب للزيارة، وهو وقتُ الظهيرة؛ حيث يستظل الناس ويكونون في بُيوتِهم، كما في البخاري.
8-الخروجُ إلى أبي بكر مُتنكِّرًا بالقناعِ؛ حتى لا يُعرَف، كما في البخاري.
9-الإسرار لأبي بكر بخبرِ الهجرة، وكتمان ذلك عن أهلِ بيتِه في بداية الأمر حيث قال له: (أخرج من عندك) ، كما في البخاري.
10-الإسراع في إعداد الزاد وتجهيزه، كما في البخاري.
11-مَبِيتُ عَلِيٍّ على الفراش، كما في المسند لأحمد.
12-الخروجُ مِن خَوخَةٍ في ظهرِ بيتِ أبي بكر، ولم يخرجوا من البابِ المعتاد، كما في رواية ابن إسحاق.
13-الخروجُ من الطريق المعاكِس لطريقِ المدينة، فالأصلُ أن يخرجوا من جهةِ الشمال حيث طريق المدينة، فخرجوا جهة الجنوب، كما في البخاري.
14-اختيارُ الغارِ؛ حيث البُعدُ عن الأنظار للاختفاء فيه، كما في البخاري.
15-البقاءُ في الغارِ ثلاثةَ أيام؛ حتى يَسكُنَ الطلبُ عنهما، كما في البخاري.
16-التخطيطُ للتعرُّفِ على كيدِ العَدُو ومُتابَعتِه وإعطاءِ هذا الأمرِ أهميةً كبيرة.
17-اختِيارُ الرجلِ المناسِبِ لهذه المهمة في متابعة أخبارِ قريش وترتيباتِها للقبضِ عليهما، فقد اختاروا شابًا قد لا يلفتُ نظرهم، ويمتاز بالذكاءِ والفِطنةِ؛ فيلتقطُ كل خبرٍ ولا يفوته شيء، كما في البخاري.
18-مُتابَعةُ الأخبارِ أولًا بأولٍ حيث يأتِي بالخبرِ كلَّ يوم، فالحدثُ لا يستَحمِلُ التأخيرَ أكثر من هذا، كما في البخاري.
19-ترتيبُ مجيء الْمُخبِرِ وانصرافِه، سواء في وقتِ المجيء والانصراف، أو في طريقة الذهاب والإياب، كما في البخاري.
20-إسنادُ مُهمةِ الإتيانِ باللبن للرجلِ المناسِب، وهو الراعي عامر بن فُهَيْرة، كما في البخاري.
21-ترتيبُ حُضورِ عامرِ بن فُهَيْرة وانصرافِه، كما في البخاري.
22-اتباعُ عامرِ بن فُهَيْرة أثر عبد الله بن أبي بكر بالغنم حتى تُعَمِّيَ أثَرََه، كما هو عند ابن إسحاق.
23-اختيارُ الدليلِ ذي الكفاءة العالية، كما في البخاري.
24-الخروجُ من الغارِ آخرَ الليل، كما في البخاري وعند موسى بن عقبة.
25-سلوك طريقٍ غيرِ الطريقِ المعتادِ للمدينة، كما في البخاري.
26-اصطحابُ عامرٍ للخدمة.
27-مُواصَلةُ السيرِ بدون توقُّف، كما في البخاري.
28-تأخيرُ وقتِ الراحة، كما في البخاري.
29-حَملُ أبي بكر جميعَ مالِه، ومن فوائد ذلك أنَّ أبا بكر كان رجلًا غنِيًا؛ فربما لَحِقَهم الطلب؛ فاستطاع أن يفدي أنفسهما بذلك المال، وكان مبلغًا كبيرًا قدر بخمسة آلاف، كما عند ابن إسحاق، وتقدير المبلغ رواه أحمد والحاكم". [35] "
فينبغي أنْ نتساءل:"هل نحن عندما نريدُ أن نُقْدِمَ على أيِّ أمرٍ من أُمورِ الدعوة؛ نستعدُّ لذلك؟ نُخَططُّ له؟ نُجِيدُ تحديدَ المراحِل؟ المؤسِفُ أنَّ الواحِدَ منا إذا أراد أن يَعْمُرَ بيتًا؛ جَلسَ يُخَطِّطُ عِدةَ أشهرٍ، نعم إذا أقبلَ على أمرٍ مِن أمُورِ الدنيا؛ خطَّطَ ورتَّبَ واستعدَّ، ولكنْ في أُمُورِ الدعوةِ يَخْبِطُ خَبطَ عشواء؛ ومن هنا جاءتِ النتائجُ السيئةُ لكثيرٍ من الدعواتِ والحركاتِ؛ لأنهم يتحركونَ بدونِ تخطيطِ، يتحركونَ بدونِ دراسةٍ للواقع، وبدونِ حسابٍ للمستقبل؛ حسبَ الأسبابِ التي شرعَها الله سبحانه وتعالى... فالمسلِمُ كَيِّسٌ فَطِنٌ، فلا يُقْدِمْ على أمرٍ إلا بعد أنْ يكونَ قد قلَّبَ جميعَ الأمور، وأخذَ بجميعِ الوسائلِ والأسباب، وهذا الدرسُ واضحٌ وجَلِيٌّ وعظيمٌ في سيرةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم: تخطيطٌ مُحكَمٌ دقيقٌ، لا تَجِدُ فيه ثغرةً من الثغراتِ". [36]
نسألُ الله أنْ يجعلَنا من المنتَفِعِين بِدُرُوسِ الهجرةِ النبوية العَطِرَة، ومَعالِمِ السِّيرةِ المحمَّدية الشريفة. فقد أدركَ منها بعضُ الغربيِّين ما لم يُدْرِكْه بعضُ بنِي جِلْدَتِنا؛ حتى قال الفيلسوف والكاتب الإنجليزي المعروف برنارد شو:"إنَّ أوروبا الآن ابتدأتْ تحسُّ بحكمةِ محمد، وبدأت تعيشُ دِينَه... إنَّ بَوادِرَ العَصرِ الإسلامي الأوروبي قريبةٌ لا محالة، وإني أعتقدُ أنَّ رجلا كمُحمَّدٍ لو تسلَّمَ زِمامَ الحكمِ المطلَقِ في العالَم بأجْمَعِه اليوم؛ لَتَمَّ له النجاحُ في حُكمِه، ولقادَ العالَمَ إلى الخير، وحلَّ مَشاكِلَه على وجهٍ يُحَقِّقُ للعالَمِ كلِّه السلامَ والسعادةَ المنشُودة". [37]
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] البيتان لابن القيم رحمه الله.
[2] الأنفال 72.
[3] الهجرة ومقدماتها للشيخ يحيى اليحيى ص 35-36، والغرباء الأولون للشيخ سلمان العودة ص 491.
[4] الملك 15.
[5] المزمل 20.
[6] تفسير ابن كثير 4/440.
[7] تفسير البغوي 4/411.
[8] تفسير البيضاوي 5/408.
[9] في روح المعاني 29/114.
[10] التوبة 40.
[11] النساء 100.
[12] قال مجاهد رحمه الله:" (يجد في الأرض مراغما كثيرا) : يعني متزحزحا عما يكره". تفسير مجاهد 1/171.
[13] قال النحاس رحمه الله:"المراغم عند أهل اللغة والمهاجر واحد، يقال: راغمت فلانا إذا هجرته وعاديته: كأنك لا تباليه وإن لصق أنفه بالرغام: وهو التراب". معاني القرآن للنحاس 2/174.
[14] تفسير القرطبي 5/347.
[15] تفسير السعدي 1/196.
[16] البيتان لخليل بن أيبك الصفدي.
[17] التفسير الكبير للرازي 11/13.
[18] تفسير القرطبي 5/349-351. وأحكام القرآن لابن العربي 1/610-613.
[19] النساء 75.
[20] قاض فاضل من أهل سبتة، وهي إحدى المدينتين المغربيَّتَين المحتلَّتَين من إسبانيا. توفي سنة 747 هـ.
[21] النساء 97-99.
[22] رواه البخاري ومسلم.
[23] النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 5/243.
[24] المتوفى سنة 393 هـ.
[25] وقد نُسِبَت إلى الشافعي بهذه الرواية:
تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ
وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ
فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ
وقال ابن المقرب علي بن المقرب المتوفى سنة 629هـ.
قُمُ فَاِشدُدِ العِيسَ لِلتِرحالِ مُعتَزِمًا وَارمِ الفِجاجَ بِها فَالخَطبُ قَد فَقِما
وَلا تَلَفَّت إِلى أَهلٍ وَلا وَطَنٍ فَالْحُرُّ يَرحَلُ عَن دارِ الأَذى كَرَما!
كَم رِحلَةٍ وَهَبَت عِزًّا تَدينُ لَهُ شُوسُ الرِجالِ وَكَم قَد أَورَثَت نِعَما!
[26] مفهوم التخطيط العلمي، دكتور زكريا حسين.
[27] مفهوم التخطيط العلمي، لدكتور زكريا حسين.
[28] الغرباء الأولون، الجزء الأول، الفصل الثالث، ص20.
[29] صحيح ابن حبان 15/471، حديث 7011. كتاب إخباره عن مناقب الصحابة، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي.
[30] الغرباء الأولون، الجزء الأول، الفصل الثالث، ص24.
[31] الغرباء الأولون، الجزء الأول، الفصل الثالث، ص27.
[32] رواه البخاري ومسلم.