فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 205

4 _ كان لابد من دليل يقودهما في الطرق الوعرة التي سيسلكانها خلال هذه الرحلة المطاردة .

ولم يكن هناك أدرى وأخبر بهذا الطريق غير رجل من المشركين ، وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده - بجانب خبرته - الأمانة على حفظ وكتمان هذا السر

فتم الاتفاق معه على استئجاره أولا .

ودفع النبي - صلى الله عليه وسلم - الراحلتين ، وسلمهما له قبل موعد الخروج .

وحدد له: الزمان ، والمكان الذي يلتقيان فيه .

5 _ كان لابد من أن ينام أحد مكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي فراشه ، ويتغطى ببردته ، خداعا للقوم الذين يقفون على أهبة الاستعداد لقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإيهاما لهم بأنه لا يزال راقدا في فراشه .

وكان هذا الفدائي الشجاع البطل: علي بن أبي طالب رضى الله عنه وأرضاه .

6 _ بعد الخروج من مكة . . لابد من معرفة أخبار القوم ، وماذا يفكرون فيه ؟ وماذا يخططون له ؟ حتى يتم تنفيذ الخطة ، أو التعديل فيها ، بناء على ذلك ، للنجاة من شرورهم ، والنجاح في بلوغ الهدف .

وكان صاحب هذا الدور ، لابد أن يتصف بالذكاء ، وحضور البديهة ، والقدرة على مخالطة القوم ، وفهم ما يدور بينهم ، ومن يتصف بهذا الدور ؟ إنه ابن أبي بكر .

وتم تكليفه بذلك .

7 _ كان لابد من طريقة تمحو أثار الأقدام ، حتى لا يتتبعهما القوم ، وهم خبراء في ذلك ،

ولكن كيف يتم هذا . . ؟

إنها الأغنام . . أقوى الوسائل في إخفاء المعالم ، ومحو الآثار .

ومن لهذه الأغنام . . ؟

إنه عامر بن فهيرة .

وتم تكليفه بهذه المهمة .

8 _ المدينة في جهة الشمال من مكة ، والمسافر من مكة إلى المدينة يأخذ الطريق في اتجاه الشمال ، وهذا ما سوف يخطر ببال الكفار ، عندما يكتشفون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج مهاجرا ، ويطاردونه .

ولذا . . لابد من مخالفة هذا المعهود لديهم ، والمعروف إليهم ، تمويها عليهم .

فكان الاتجاه جنوبا . . ناحية اليمن ، وثم الاختفاء بغار ثور ، جنوب مكة .

9 _ لابد لهم ، وهم في الغار ، من طعام يتناولونه ، كما لابد لهم في السفر من زاد يحملونه ، فمن الذي يعد لهم الطعام ، ويهيئ لهم الزاد ، وهم رجال ، لا يجيدون ذلك

وكانت أسماء بنت أبي بكر لهذا الدور ، الذي قامت به خير قيام .

10 _ الكفار في مكة: سيجن جنونهم ، وستثور ثائرتهم عندما لا يجدون محمدا - صلى الله عليه وسلم - في فراشه ، ليلة الاتفاق على قتله ، بل سيزدادون جنونا حينما يعلمون فراره منهم ، ونجاته من بين أيديهم ، وسيقلبون جبال مكة وشعابها وطرقها رأسا على عقب .

ولذلك: لابد من فترة كمون وسكون ، حتى ينقطع من البحث نفسهم ، وتهدأ من التعب ثائرتهم .

وكان القرار: المكوث بالغار ثلاثة أيام .

إلى غير ذلك من التفاصيل الدقيقة ، والخطط المحكمة ، والقرارات الرشيدة .

وفي هذا المذكور الكفاية لنخلص إلى الدرس الذي ينبغي أن يستفاد من هذا التخطيط الدقيق في الهجرة النبوية .

والحركة الإسلامية في مشروعها حول سيادة شرع الله في بلاد المسلمين ، دون إقصاء لها ، أو مزاحمة بمشاركة من قوانين البشر وتشريعاتهم ، إلا أن يكون ذلك القانون أو التشريع مستمدا من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -

ووسائلها إلى الوصول لتحقيق هذا المشروع هي الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، واتباع منهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الدعوة .

( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) يوسف"108"

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) "34"

أقول: والحركة الإسلامية في مشروعها هذا لابد أنها تحتاج إلى تخطيط جيد للوصول إلى هذه الغاية ، بل تحتاج إلى تجديد دائم ومراجعات شاملة لهذا التخطيط ، ودراسات له ، واستعداد جيد بموجب ذلك ، لتحقيق غرضها: استفادة من هذا الدرس النبوي الحركي في التخطيط للهجرة النبوية وخلال تنفيذها .

ولكن . . قد يقال: إذا كان هدف الحركة الإسلامية معروفا ،والوسيلة واضحة ومحددة ،فماذا يمنع من وجود التخطيط؟

ونقول: التخطيط موجود ، ولكن الذي يمنع من التنفيذ ، هو المعوقات الكثيرة ، التي تحول بين التخطيط والتنفيذ من جهة ، وتفصل التواصل بين الوسيلة والغاية من جهة أخرى ، فتتسع _ تبعا لذلك _ الوسيلة وتمتد ، دون أن تصل بصاحبها إلى هدفه ، وإن اقتربت به منه في بعض الأحيان وبعض البلدان .

ولقد أصبح من المسلمات: أن كثيرا من الأنظمة في الشرق أو الغرب تعمل على وأد الحركات الإسلامية ، مما جعل كثيرا من الضربات المتتالية الموجعة ، تنزل بهذه الحركات ، وتعصف برجالها ، دون آن تتمكن الحركة آو رجالها من تفادي هذه الضربات .

وإلا .. فكيف يمكن للمسجونين أو المضطهدين ، آو المعذبين أن يخططوا وهم ليسوا أحرارا في أقوالهم ، وتحصى عليهم حركاتهم وتصرفاتهم ، ويعتقلون سنين عددا ، وتثار بينهم الفتن عن طريق بعض الذين يضعفون عن التبعات ، أو يأملون في مغنم ، أو يهربون من مغرم ، وكل ذنب جناه هؤلاء: انهم آمنوا بالله العزيز الحميد ، وسعوا مطالبين بان تكون كلمة الله هي العليا في بلاد المسلمين .

وإذا كنا نقول ذلك لمن يسألون عن التخطيط لأنهم لا يرون آثاره بأعينهم: فإننا نؤكد في ذات الوقت على أننا لا نتخذ ذلك مبررا لغياب التخطيط عن ساحة العمل ، أو بروز الارتجال والسير على غير هدى وسط الأشواك التي تلقى _ وبسببها _ هنا وهناك ، كما نؤكد _ ثانيا _ على وجود التخطيط ، وضرورة استمراره حتى مع هذه الأشواك التي تلقى هنا وهناك ، كما نؤيد _ ثالثا _ العاملين المخلصين الذين يطالبون بضرورة الدراسة والتخطيط في كل أمر من أمور الحركة الإسلامية ، إفادة من هذا الدرس النبوي .

على أن يكون هذا التخطيط مبنيا على أسس علمية يضعها أصحاب الخبرات المشهود لهم بالكفاءة والمعرفة ، لتتضح معالم الطريق بين الوسيلة والغاية ؛ حتى لا يتباطأ أحد أو يبتعد عن الطريق التي ينبغي أن تقطع فيه كل يوم خطوات .

ولن يتحقق ذلك كاملا في غياب تخطيط مرحلي ، تراعى فيه: طبيعة وظروف كل مكان في بلاد المسلمين ، بحيث لا تغيب الموائمة بين هذا التخطيط وبين البيئة التي يطبق فيها تطبيقا واقعيا عمليا .

ثم يمتد هذا التخطيط المرحلي ، ليعطي صورة متكاملة لدور الحركة الإسلامية في بلاد المسلمين ، في الحاضر والمستقبل ، وبيان مدى ما يمكن أن تقدمه للناس في: معاشهم الذي ينبغي أن يقوم على النصفة والعدل والحق والعلم والعمل ، وكذلك في معادهم الذي يتوقف ثوابهم فيه على طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، والتمسك بهذا الدين بإخلاص ، والجهاد في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا .

وهذه المهمة ، أي التخطيط _ كما يقول الشيخ جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين _ منوطة بأصحاب البصائر النافذة ، والهمم العالية من أبناء الحركة الإسلامية ، الغيورين على دين الله ، وعلى مصالح المسلمين ."62"

فهل يتقدمون لأداء هذه الأمانة ؟

وهل يبدؤون فيها . . ؟ _ وبسرعة _ إفادة مما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في التخطيط لنجاح الهجرة ؟

ضرورة الدعوة الفردية

على كل مسلم ، غيور على دينه ، حريص على نشر مبادئه ، وهداية الناس بها: أن يمارس الدعوة إلى الله تعالى ، بكل الوسائل المتاحة له ، والمؤدية إلى النجاح في مهمته ، وفي كل الظروف الممكنة ، وفي كل البيئات التي يرى _ أو يأمل _ فيها القبول لدعوته ، ومع كل الناس الذين تجمعه بهم الأقدار ويلمح فيهم ولو أدنى بارقة أمل في أن يشرح الله صدورهم حتى ولو للاستماع إليه فيما يعرضه عليهم

يقول تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) "34"

ويقول سبحانه ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) "41"

ويقول - صلى الله عليه وسلم -"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان"42""

ويكون ذلك: بالقدوة الحسنة سلوكا ، والكلمة الطيبة قولا ، المنبثقة _هذه وتلك _ من الفهم الجيد ، المبنية على الإخلاص لله تعالى ، والرغبة الجادة الصادقة في نوال مرضاته سبحانه وتعالى ، ورفع راية هذا الدين ، وإعلاء كلمته ، وإعزاز أهله .

وممارسة الدعوة على هذا النحو: فريضة ، واجبة على المسلم _ رجلا أو امرأة _ في كل حال ، وفي كل بيئة ، ومع كل الناس ، ما دامت الظروف مهيئة ، والوسائل متاحة ، لا يحجبه عن ذلك شواغل ، ولا يصرفه عنه صوارف .

وإذا كان ذلك بصفة عامة: فإن الذي نستفيده من دروس الهجرة الحركية _ بجانب فريضة الدعوة العامة _ أنه على المسلم _ كذلك _ أن يمارس الدعوة الفردية إلى الله تعالى _ بصفة خاصة _ مع كل من ييسر الله تعالى له لقاءهم أو الاتصال بهم ، دون أن يدفعه إلى ذلك تكليف ، أو يطمع بذلك في تشريف ، أو ينتظر من ذلك أية مكاسب

خاصة: وأن الدعوة الفردية من أهم روافد العاملين للإسلام ، وازديادهم في حقل الحركة الإسلامية ، وهي الأسلوب الأول الذي مارسه محمد - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله تعالى ، وستظل _ كذلك _ أسلوبا فاعلا قويا ناجحا في أداء هذا الغرض ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وهذا ما فعله - صلى الله عليه وسلم - بجانب أساليبه الكثيرة _ في الدعوة إلى الله ، قبل الهجرة ، وفي التمهيد لها ، فقد فعل ذلك مع الوليد بن المغيرة ، كما فعل ذلك مع عداس النينوي بالطائف ، ومع الأفراد والوفود بمنى أيام الحج ، حتى كان الرهط من الخزرج الذين أراد الله بهم خيرا ، وأراد للدعوة عن طريقهم خيرا .

وهو ما فعله هؤلاء النفر ، الحديثوا عهد بالإسلام ، الذين قدموا في موسم الحج من المدينة ، لمبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

يقول كعب بن مالك:". . فلما فرغنا من الحج: وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها ، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام _ سيد من ساداتنا ، وشريف أشرافنا _ أخذناه معنا ، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ، فكلمناه ، وقلنا له: يا أبا جابر . . إنك سيد من ساداتنا ، وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ثم دعوناه إلى الإسلام ، وأخبرناه بميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة ،"

قال: فأسلم ، وشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا"43"

وفي هذا الدرس من الأنصار _ في الدعوة الفردية _ الذي تعلموه مبكرا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، نرى: حسن الاختيار ، ودقة التوقيت ، وبلاغة العرض ، والمسارعة في نشر الدعوة ، وعدم تضييع الفرصة ، ولذلك كان التوفيق حليفهم .

وواجبنا _ على هذا _ أن لا نستهين بهذه الطريقة في الدعوة إلى الله تعالى ، ففيها _ وعن طريقها ، بإذن الله ، يكون _ الخير الكثير .

فكم من أفراد فطرتهم سليمة ، ولكن ما عرضت الدعوة عليهم عرضا حسنا ، أو شغلتهم الحياة ، بهمومها أو بزخارفها ، ولا يحتاجون سوى التذكير بالله ، مع حسن العرض ، وأدب الحديث ، ووضوح الفكرة ، وجمال الصحبة إن أمكن ، مع الاهتمام بهم ، والسؤال عنهم . . الخ ؟ وستجدهم جنودا مخلصين لهذه الدعوة ، يسعدون بها ، ويرضون الله تعالى بالانضواء تحت لوائها ، ومن الطبيعي: أن يقوى بهم الصف ، ويزداد بهم العدد ، ويكثر ويتحقق بهم _ لهذه الدعوة _ النفع .

وكم من أفراد حجبهم الخوف عن فهم الإسلام فهما شاملا ، واكتفوا بما يعرفون من قشوره ، ويمارسون من رسومه ، ووقعوا في براثن الجهل به عن غير قصد ، وصاروا في عداء له بسبب هذا الجهل ، ومن جهل شيئا كما يقولون عاداه . ؟

وهؤلاء لا عذر لنا في عدم تلمس الوسائل لتفهيمهم ، وعرض الدين الشامل عرضا جيدا عليهم ، مع بيان الثواب والإنعام الإلهي لمن اتبع والتزم ، والإيذاء _ مع الغضب _ الإلهي لمن خالف وتقاعس وانحرف .

ومع تلمس الوسائل ، وحسن العرض: ستنقشع الغشاوة عن العيون بإذن الله ، وينزاح كابوس الخوف عن القلوب ، لا أقول من كلهم ، بل من بعضهم .

بل كم من أفرادا يبحثون عن الطريق ، ولا يحتاجون إلا إلى من يمد لهم يده ، وينير أمامهم الطريق ؟

ومما ينبغي أن يلاحظ جيدا: أنه ليس من الضروري ، أن تكون صفات الكمال متوافرة ، أو أغلبها فيمن ندعوهم إلى الله تعالى ، والانضمام إلى صفوف العاملين للإسلام . . وإلا فما مجال عملنا نحن معهم ؟ وما دورنا في الأخذ بأيديهم إلى الله تعالى ؟ . . هذا فضلا عن نسياننا لأمرين هامين: الأول: أن هؤلاء من الندرة _ في عالم اليوم _ بمكان ، الثاني: أننا نحن لا نتمتع بهذه الصفات أو أغلبها ، بل نعمل لها ، ونطمع في إنعام الله تعالى بها علينا .

كما ينبغي أن يلاحظ جيدا: أن الحركة الإسلامية في حاجة لأن تضم بين صفوفها أصحاب كل الكفاءات مهما قلت ، وكل الطاقات مهما ضعفت ، وكل الصفات مهما تنوعت ، إذ هي حركة ، وإن كانت تهدف إلى قيادة المجتمع ، فهي تمثله بفئاته وطوائفه .

فضلا عن أن تعدد المهام في العمل للإسلام: يحتاج إلى: من يصلح للقيادة ، ومن يصلح للجندية ، من يصلح للتخطيط ، ومن يصلح للتنفيذ ، من يصلح للتفكير ، ر ومن يصلح للعمل ، ومن يصلح للإبداع ، ومن يصلح للتقليد .

ومن هنا كان وجوب عمومية الدعوة ، في قوله تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة . . ) الآية"34"حيث حذف المفعول ، وهو المدعو ؛ ليفيد العموم ، ويحتم على الدعاة _ بالطرق العامة أو الدعوة الفردية _ دعوة الجميع .

وليعلم الداعية: أن هذه الجهود لن تضيع أبدا .

فإما أن يتحول المدعو إلى الله تعالى ، وينخرط في صفوف العاملين في حقل الدعوة

وهنا: ينال مثل الداعي مثل ثواب المدعو ، دون أن ينقص ذلك من أجره شيئا"لئن يهدي الله بك رجلا واحدا: خير لك من أن يكون لك حمر النعم""44"

وإما أن يفهم المدعو الدعوة وغايتها ، ويفهم ما أنت عليه ، دون أن ينخرط معك ، لآي سبب خاص به ، ولن تعدم في هذه الحالة أن يتعاطف معك ، وأن يكون لسانه ، أو قلمه ، أو سلاحه ، أو لسان حاله ، معك ، لا عليك .

وهذا مكسب _ في ذاته _ كبير .

وإما أن تتركه حائرا غير ثابت في موقعه الأول ، مترددا بين ما هو عليه وبين ما تدعوه أنت إليه ، غير مستقر على حال.

فما عليك في هذه الحالة: إلا تتعهده بالدعاء والابتهال إلى الله تعالى أن ينير طريقه ، وأن يشرح صدره لنور الدعوة ، على أن لا تبتعد عنه إهمالا له ، أو يأسا من إقناعه ، وأن لا تثقل عليه ، وتلح في الإمساك به .

وإما أن يكون معاندا مجادلا ، أو معاندا متحاملا ، أو معاندا معاديا .

فهذا: دعك من تضييع الوقت معه ، وتبديد الجهد في إقناعه ، لعل الله تعالى يهيئ له غيرك فيستجيب له ، أو يشرح صدره في وقت _ أو ظرف _ آخر ، أو لعل الله يريد له أمرا غير ما تدعوه إليه ، وما عليك إلا أن تدعو له بالهداية ، فلا تعاده ، أو تنفعل عليه .

ويكفيك أنك بلغت أمانة الدعوة ، وأبرأت ذمتك .

والله تعالى _ قبل ذلك ، وبعد ذلك ، وفوق ذلك _ كفيل بحماية الدعوة من كيد أعدائها ، وجهل أبنائها .

فلا تقصر في واجب الدعوة الفردية إلى الله تعالى بحال من الأحوال ، ومهما كانت النتائج

ضرورة الشجاعة في مواجهة الظلم والظالمين

طريق الدعوة: ليس مفروشا بالورود ، وليست بالضرورة كلها أشواك .

ولكن على من يسير فيها: أن يتوقع _ وأن يتحمل _ أشواكها ، أملا في التمتع بورودها ورياحينها في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما .

وعلى قدر الغاية: تهون الوسائل ، وتخف المشاق ؛ بل تستعذب الآلام . . ! !

ولذلك:"حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات""85"

ومرضاة الله تعالى: أغلى الغايات ، وأعلى المقاصد ، ويهون في سبيلها كل غال ونفيس .

وقد فهم ذلك المسلمون الأوائل ، حتى النساء منهم ، فتحملوا المشاق ، واستهانوا بالآلام ، بل واجهوها بشجاعة فائقة .

وهذا واضح في الكثير من تفاصيل أحداث الهجرة النبوية . . ! !

ولكن نأخذ مثالا واحدا من هذه الأحداث .

"قالت أسماء رضي الله عنها: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، أتانا نفر من قريش ، فيهم أبو جهل بن هشام . . فوقفوا على باب أبي بكر ، فخرجت إليهم ، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر . . ؟ فقلت: لا أدري _ والله _ أين أبي ؟ فرفع أبو جهل يده _ وكان فاحشا خبيثا _ فلطم خدي ، لطمة ، طرح منها قرطي ."33""

فرعون عصره: أبو جهل ، وسط حاشية من الطغاة والزبانية ، يذهبون _ في ثورتهم العارمة ، وغضبهم الجارف _ إلى امرأة وحيدة ، حامل ، يهددونها ، ويرهبونها ، ويحاولون معرفة مكان النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ، دون سؤال عنه _ في خبث _ صراحة ، بل السؤال عن أبيها ، ولكنها كانت أذكى منهم ، بل كانت على مستوى المسئولية ، وإدراك الأحداث ، وتتداعياتها ، وخطورة التهاون في أية معلومة تعرفها . . ولذلك: لم ترتجف ، ولم تخف ، ولم تتلجلج ، ولم تثرثر ، بل كانت دقيقة في إجابتها ، موجزة في حديثها ، مما دفع الطاغية لأن يستعمل _ شأن الطغاة حينما يعجزون أمام الحق ، ويتصاغرون أمام أهله _ بطشه ، وجبروته ، وتعذيبه ، حيث رفع يده ، وهو يرغي ويزبد ، ويسب ويلعن _ لعنه الله _ ولطم خدها ، بيده الآثمة ، لطمة قاسية ، أطاحت _ من شدتها _ قرط هذه السيدة الشجاعة المجاهدة .

وكان فعل هذا الفرعون: دليلا لكل من أتى بعده على مر العصور من الفراعين ، الذين صاروا يعذبون المسلمات القانتات التائبات العابدات وقد يأخذونهن _ مع أطفالهن الصغار _ رهائن ، كالأسيرات .

بل كان فعله ، وأضرابه من الطغاة ، مع المسلمين الأوائل: هو المنهاج الذي سار عليه كل من عذب _ ويعذب _ من يعملون لرفع راية الإسلام ، وإعلاء شأنه ، وإسعاد أهله ، في كل عصر ، وفي أي مصر .

ولكن . . ! !

من فضل الله تعالى على أصحاب الحق ، وحماة الإسلام: أن من على الكثير منهم بالقدرة على مواجهة الباطل ، ومقارعة أهله ، ومواجهة الطغاة ، وتحمل أذاهم ، دونما جزع ، أو نكوص عن مبادئهم التي آمنوا بها .

وعلى أبناء الحركة الإسلامية ، رجالا ونساء: أن يدركوا جيدا:

أن الابتلاء . . سنة الله تعالى لأصحاب الدعوات ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) 50

وأن هذا الابتلاء . . قد يصل إلى أقصى درجاته ، مع بعض الناس ، أو في بعض البيئات ، أو في بعض العصور ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) "86"

وأن الحرب بين أهل الحق وأهل الباطل لن يهدأ لها أوار ، ما دام للحق أنصار يؤمنون به ، ويدافعون عنه .

وأن المؤمن في مواجهته للباطل وأهله: يثق في نوال واحدة من اثنتين ، النصر أو الشهادة .

وأن المؤمن يعتقد جازما: أنه لكل أجل كتاب ، وأن كل ما يحدث له ، قدره الله تعالى .

ولذلك: فهو يواجه الطغاة _ بهذا الرصيد الإيماني وغيره _ ليرفع راية الدعوة ، ويعلي كلمة الحق .

وعلى أبناء الحركة الإسلامية ، رجالا ونساء ، بناء على هذا: أن يكونوا أقوياء بما معهم من الحق ، في مواجهة الظلم ، وكبح جماح الظالمين ، بثباتهم أولا على الحق ، واستمرارهم في العمل به ، والدعوة بالحسنى إليه ، والتذرع والتسلح بالصبر الجميل ، فيما قد يتعرضون له _ بعلم الله _ من صور هذا الظلم .

وليكن معلوما: أن الباطل ضعيف ، وأن أهله جبناء ، سرعان ما يتصاغرون أمام الحق وأهله ، ولو لم يظهر منهم ذلك

وهذا واضح في موقف أبي جهل من شجاعة السيدة أسماء وثباتها .

وهو واضح _ كذلك _ في أضرابه ، وكل من أتى بعده ، أمام شجاعة أهل الدعوة ، وصبرهم على ما يتعرضون له وثباتهم على مبادئهم التي يؤمنون بها ، ويعملون لها

ضوابط التصعيد

الحركة: من سنن الحياة ، ومن طبيعة الأحياء ، والجماعة: كائن حي ، بدون حركة تتجمد ، ومن ثم تموت ، ولا تحقق غرضها ، ولا تصل لأهدافها .

والحركة في الجماعة ، والتصعيد لأبنائها في صفوفها ، هي الدماء الجديدة الحارة الدافقة ، التي تجري في شرايينها ، وتساعد على تمديد حياتها ، والحفاظ عليها .

ولكن لهذه الحركة نظام . ! !

ولهذا التصعيد ضوابط . ! !

ولهؤلاء الذين يصعدون شروط ومواصفات . ! !

ولذلك:

فعلى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية بعامة ، وقادة الحركة الإسلامية بخاصة: أن يعوا جيدا أن التصعيد في صفوف الدعوة ، وحمل مهامها ، والقيام بواجباتها ، لا يكون إلا من بين من اقتنعوا بها ، وتفاعلوا معها ، وخالط حبها شغاف قلوبهم وتولد الإحساس بمتطلباتها ، وشئون إصلاحها ، وسبل إنجاحها لديهم . فهؤلاء هم الذين تنجح بهم الدعوة ، وترتقي بهم الحركة ، وليس بغيرهم يكون ذلك

بشرط فهمهم السليم لهذا الدين ، ووعيهم الجيد بالواقع الذين يعيشون فيه ، وقدرتهم على قراءة الأحداث وإرهاصاتها ، واستعدادهم الدائم لبذل الجهد ، وأداء الأمانة ، وفوق ذلك كله ، وغيره: صلاح أنفسهم ، وطهارة وجدانهم ، وتزكية أرواحهم ، وصدق التزامهم ، وكامل ولائهم .

فهؤلاء هم الأنصار الذين بايعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على"بيعة النساء"في العقبة الأولى ، لما عادوا إلى المدينة ، ما شغلتهم أيامهم وشئونهم عن هذه الدعوة ، بل إنه حينما طهرت نفوسهم ، وصدقوا مع الله في بيعتهم ، أنعم الله عليهم بميلاد الإحساس بمتطلبات هذه الدعوة لديهم ، ولذلك بحثوا بأنفسهم عن مصلحة الدعوة ، دون طلب أو إيعاز لهم بذلك من غيرهم .

يقول جابر بن عبد الله:"لم تبق دار من دور الأنصار ، إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ، ثم ائتمروا جميعا ، فقلنا حتى متى نترك رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، يطوف ، ويطرد ، في جبال مكة ، ويخاف . . ؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا . .""33"

هؤلاء . . ما دفعهم إلى ذلك سوى الحب لهذه الدعوة والتفاعل معها ، والرغبة الصادقة في إعلاء شأنها ، ورفع رايتها ، وحماية قائدها .

ولذلك: كان بقاؤهم _ لو حدث _ في مكانهم الذي بايعهم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أولا . . تجميد للطاقات ، وتبديد للإمكانات ، وتضييع للجهود ، وحرمان للدعوة من أن تحمل هذه الأرواح الطاهرة ، والنفوس الذكية رايتها ، وأن تؤدي أمانتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت