فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 205

كانت الهجرة النبوية الشريفة على النحو الذي كانت عليه ، وسارت على الوضع الذي يسلكه كل مهاجر ، حتى توجد القدوة ، وتتحقق الأسوة ، ويسير المسلمون على نهج مألوف ، وسبيل معروف ، ولذلك ، فلم يرسل الله ـ عز وجل ـ له - صلى الله عليه وسلم - البراق ليهاجر عليه كما حدث في ليلة الإسراء ، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يوم هجرته أحوج إلى البراق منه في أي وقت آخر؛ لأن القوم يتربصون به هنا ولم يكن هناك تربص في ليلة الإسراء ، ولو ظفروا به في هجرته لشفوا نفوسهم منه بقتله ، والحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن الهجرة كانت مرحلة طبيعية من مراحل تطور الدعوة ووسيلة من أهم وسائل نشرها وتبليغها ، ولم تكن خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل كان غيره من المؤمنين مكلفين بها ، حين قطع الإسلام الولاية (32) ، بين المهاجرين وغير المهاجرين القادرين على الهجرة ، قال تعالى: ? إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ? (سورة الأنفال: الآية 72) .

أما رحلة الإسراء والمعراج فقد كانت رحلة تشريف وتقدير ، كما كانت إكرامًا من الله ـ عز وجل ـ لنبيه ليطلعه على علم الغيب ويريه من آياته الكبرى ، فالرحلة من أولها إلى آخرها خوارق ومعجزات ومشاهد للغيبيات، فناسب أن تكون وسيلتها مشابهة لغايتها .

زد على ذلك أن رحلة الإسراء خصوصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وليس لأحد من الناس أن يتطلع لمثلها ، ولسنا مطالبين بالاقتداء به فيها ، ولذا فإن حصولها على النحو الذي كانت عليه هو أنسب الأوضاع لحدوثها (33) .

16 ـ وضوح سنة التدرج:

حيث نلاحظ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما تقابل مع طلائع الأنصار الأولى لم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام وتلاوة القرآن عليهم ، فلما جاءوا في العام التالي بايعهم بيعة النساء على العبادات والأخلاق والفضائل ، فلما جاءوا في العام التالي كانت بيعة العقبة الثانية على الجهاد والنصر والإيواء (34) .

وجدير بالملاحظة أن بيعة الحرب لم تتم إلا بعد عامين كاملين ، أي بعد تأهيل وإعداد استمر عامين كاملين ، وهكذا تم الأمر على تدرج ينسجم مع المنهج التربوي الذي نهجت عليه الدعوة من أول يوم (35) .

إنه المنهج الذي هدى الله نبيه إلى التزامه ، ففي البيعة الأولى بايعه هؤلاء الأنصار الجدد على الإسلام عقيدة ومنهاجًا وتربية ، وفي البيعة الثانية بايعه الأنصار على حماية الدعوة ، واحتضان المجتمع الإسلامي الذي نضجت ثماره، واشتدت قواعده قوة وصلابة .

إن هاتين البيعتين أمران متكاملان ضمن المنهج التربوي للدعوة الإسلامية وإن الأمر الأول هو المضمون ، والأمر الثاني وهو بيعة الحرب هو السياج الذي يحمي ذلك المضمون ، نعم كانت بيعة الحرب بعد عامين من إعلان القوم الإسلام وليس فور إعلانهم .

بعد عامين إذ تم إعدادهم حتى غدوا موقع ثقة وأهلًا لهذه البيعة ، ويلاحظ أن بيعة الحرب لم يسبق أن تمت قبل اليوم مع أي مسلم ، إنما حصلت عندما وجدت الدعوة في هؤلاء الأنصار وفي الأرض التي يقيمون فيها المعقل الملائم الذي ينطلق منه المحاربون ، لأن مكة لوضعها عندئذ لم تكن تصلح للحرب (36) .

وقد اقتضت رحمة الله بعباده (أن لا يحملهم واجب القتال ، إلى أن توجد لهم دار الإسلام ، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه ، ويلوذون به ، وقد كانت المدينة المنورة أول دار الإسلام(37) .

لقد كانت البيعة الأولى قائمة على الإيمان بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والبيعة الثانية على الهجرة والجهاد ، وبهذه العناصر الثلاثة: الإيمان بالله ، والهجرة ، والجهاد ، يتحقق وجود الإسلام في واقع جماعي ممكن والهجرة لم تكن لتتم لولا وجود الفئة المستعدة للإيواء ولهذا قال تعالى: ? إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير? (سورة الأنفال: الآية 72) ، وقال تعالى: ? والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ? (سورة الأنفال:75) .

وقد كانت بيعة الحرب هي التمهيد الأخير لهجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة ، وبذلك وجد الإسلام موطنه الذي ينطلق منه دعاة الحق بالحكمة والموعظة (الحسنة) وتنطلق منه جحافل الحق المجاهدة أول مرة ، وقامت الدولة الإسلامية المحكمة لشرع الله (38) .

17 ـ التضحية في الهجرة:

كانت هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) (39) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله في الحمى ، وكان واديها يجري نجلًا ـ يعني ماء آجنًا ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه ، قال: فكان أبوبكر، وعامر بن فهيرة ، وبلال في بيت واحد ، فأصابتهم الحمى ، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب وبهما ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك (40) ، فدنوت من أبي بكر فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ فقال:

كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله

قالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقول: ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه (41) كالثور يحمي جلده بروقه (42)

قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول . قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته (43) ويقول:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً بواد وحولي إذخر (44) وجليل

وهل أُرِدَن يومًا مياه مَجِنَة وهل يبدون لي شامة وطفيل (45)

قالت: فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة ، أو أشد ، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها واجعلها بالجحفة) (46) .

ولا يخفى دور أم معبد رضي الله عنها في الهجرة، فكانت مكافأتها منه - صلى الله عليه وسلم - جزيلة. فقد استجاب الله دعاء نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطنًا ممتازًا لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم (47) .

18 ـ حسن المكافأة:

وقد روي أنها كثرت غنمها ونمت حتى جلبت منها جلبًا إلى المدينة ، فمر أبو بكر ، فرآه ابنها فعرفه ، فقال: يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك ، فقامت إليه فقالت: يا عبدالله من الرجل الذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو؟ قالت: لا، قال: هو نبي الله ، فأدخلها عليه ، فأطعمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطاها ـ وفي رواية: فانطلقت معي وأهدت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من أقط ومتاع الأعراب ، فكساها وأعطاها ، قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت ، وذكر صاحب (الوفاء) أنها هاجرت هي وزوجها ، وأسلم أخوها حبيش، واستشهد يوم الفتح (48) .

19 ـ هكذا يكون الأتباع:

قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ( ولما نزل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له: يا نبي الله ـ بأبي أنت وأمي ـ إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك ، وتكون تحتي ، فأظهر أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل . فقال: يا أبا أيوب: إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت قال: فلقد انكسر جب لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفًا أن يقطر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه شيء يؤذيه(49) .

20 ـ الهجرة النبوية نقطة تحول في تاريخ الحياة:

كانت الهجرة النبوية من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة أعظم حدث حول مجرى التاريخ ، وغير مسير الحياة ومناهجها التي كانت تحياها ، وتعيش محكومة بها في صورة قوانين ونظم وأعراف وعادات وأخلاق وسلوك للأفراد والجماعات وعقائد و تعبدات وعلم ، ومعرفة ، وجهالة وسفه ، وضلال وهدى ، وعدل وظلم (50) .

(1) - انظر: الهجرة في القرآن الكريم ، ص175 .

(2) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص199 .

(3) - نفس المصدر السابق ، ص200 .

(4) - انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/108) .

(5) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص206 .

(6) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص206 .

(7) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص126 .

(8) - انظر: السيرة البنوية لابن هشام (2/102) إسناده صحيح .

(9) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص128 .

(10) - انظر: فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان ص193 .

(11) - انظر: الهجرة في القرآن الكريم: ص364 .

(12) - انظر: معين السيرة: ص148 ، 149 .

(13) - المسند (1/3) تحقيق: أحمد محمد شاكر .

(14) - انظر: في ظلال الهجرة النبوية: ص58 .

(15) - انظر: التربية القيادية (2/191، 192) .

(16) - السيرة النبوية دروس وعبر للسباعي ، ص71 .

(17) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص204 .

(18) - انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ، ص254 .

(19) - انظر: السيرة النبوية للسباعي ، ص68 .

(20) - انظر: الهجرة النبوية لأبي فارس ، ص54 .

(21) - انظر: الحركة السنوسية في ليبيا للصلابي (2/7) والشاعر هو أحدم رفيق المهدوي .

(22) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص205 .

(23) - انظر: الهجرة النبوية لأبي فارس ، ص59 . شرح المواهب (1/405)

(24) - انظر: الإصابة (1/146) .

* - وفتح الله لقوم أسلم أبواب الهداية على يديه . لعل العبارة هكذا أوضح مما هي عليه .

(25) - انظر: المستدرك على الصحيحين (4/92) رقم 6981 صحيح الإسناد .

(26) - صحيح الجامع الصغير (1/338) رقم 986 .

(27) - الفتح الرباني للساعاتي (20/289) .

(28) - انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (3/178) .

(29) - انظر: السيرة النبوية المباركة ، ص205 ..

(30) - انظر: السيرة النبوية للسباعي ، ص43 ، الهجرة في القرآن الكريم ، ص367 .

(31) - انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ، ص358 ، 359 .

(32) - انظر: الهجرة في القرآن الكريم ، ص365 .

(33) - انظر: تأملات في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، محمد سيد الوكيل ، ص103 ، 104 بتصرف .

(34) - انظر: الهجرة النبوية المباركة ، ص202 .

(35) - انظر: بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة ، محمد توفيق ، ص119 .

(36) - نفس المصدر ، ص122 ، 123 . (37) - انظر: فقه السيرة للبوطي ، ص172 . (38) - انظر: الغرباء الأولون ، ص198، 199 .

(39) - الترمذي ، كتاب المناقب ، باب فضل مكة (5/722) رقم 3925 .

(40) - الوعك: الحمى . (41) - بطوقه: بطاقته . (42) - بروقه: بقرنه .

(43) - عقيرته: صوته ، قال الأصمعي: إن رجلًا عقرت بجله فرفعها على الأخرى وجعل يصيح ، فصار كل من رفع صوته يقال له: رفع عقيرتهن وإن لم يرفع رجله .

(44) - الإذخر: نبات طيب الرائحة .

(45) - شامة وطفيل: جبلان مشرفان على مجنة على بريد مكة .

(46) - البخاري ، كتاب الدعوات ، باب الدعاء يرفع الوباء والوجع ، رقم 6372 .

(47) - انظر: التربية القيادية (2/310) .

(48) - انظر السيرة النبوية لأبي شهبة (1/489 ، 490) .

(49) - انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/220) .

(50) - انظر: محمد رسول الله ، محمد الصادق عرجون (2/423) .

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت