(الشبكة الإسلامية) أ.د/ أكرم ضياء العمري
بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالهدي ودين الحق، ووعده بالنصر والتأييد، وكان تأييده تعالى لرسوله بأمور كثيرة منها المعجزات والتي هي خوارق العادات، فقد وقعت له معجزات كثيرة ، ومنها ما كان على طريق الهجرة ، وهو ما سنقف عليه في هذه الكلمات.
وقعت معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في طريق الهجرة , ولنقرأ ما سجله الصديق رضي الله عنه عن بداية الرحلة قال: (أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة , وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد , حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل , لم تأت عليه الشمس بعد , فنزلنا عندها فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانًا ينام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ظلها ثم بسطت عليه فروة . ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك , فنام) . ثم حكى أبو بكر خبر مرور راع بهما , فطلب منه لبنًا , وصادف استيقاظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - فشرب ثم قال: ( ألم يأن للرحيل ) قلت: بلى . قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس , وأتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض .
معجزة في خيمة أم معبد:
وقد اشتهر في كتب السيرة والحديث خبر نزول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بخيمة أم معبد بقديد طالبين القرى , فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها إلا شاة هزيلة لا تدرّ لبنًا , فأخذ الشاة فمسح ضرعها بيده , ودعا الله , وحلب في إناء حتى علت الرغوة , وشرب الجميع , ولكن هذه الرواية طرقها ما بين ضعيفة وواهية . إلا طريقًا واحدة يرويها الصحابي قيس بن النعمان السكوني ونصها (لما انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و أبو بكر يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال: والله مالنا شاة , وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحسبه - فما تلك الشاة ؟ فأتى بها . فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبركة عليها , ثم حلب عسًّا فسقاه , ثم شربوا , فقال: أنت الذي يزعم قريش أنك صابيء ؟ قال: إنهم ليقولون . قال: أشهد أن ما جئت به حق . ثم قال: أتبعك . قال: لا حتى تسمع أناّ قد ظهرنا . فاتّبعه بعد) . وهذا الخبر فيه معجزة حسية للرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهدها أبو معبد فأسلم .
قصة سراقة بن معبد:
ولندع رواية سراقة بن مالك تكمل الخبر التاريخي ففيها تفاصيل تكشف عن المعجزة النبوية . قال سراقة:"لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة مهاجرًا إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم . قال: فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا عليّ آنفًا إني لأراهم محمدًا وأصحابه . قال: فأومأت إليه بعيني أن اسكت . ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم , قال: لعلّه , ثم سكت".
ثم ذكر سراقة خروجه في أثرهم , وأن فرسه ساخت به حتى طلب الدعاء له من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: ( قل له وما تبتغي منا ) ؟ فقال لي ذلك أبو بكر . قال قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك . قال: اكتب له يا أبا بكر ، فكتب لي كتابًا في عظم أو في رقعة أو في خزفة , ثم ألقاه إلي , فأخذته فجعلته في كنانتي , ثم رجعت فسكت , فلم أذكر شيئًا مما كان )) . ثم حكى خبر لقائه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة وإسلامه .
وقد ذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من الاثنين حتى سمع قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يلتفت , و أبو بكر يكثر الالتفات , كما ذكر أنه عرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئًا , وأن وصيته كانت: اخف عنا .
وتذكر رواية صحيحة أنه صار آخر النهار مسلمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن كان جاهدًا عليه أوله . وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي دعا عليه فصرعه الفرس . وقد احتاط الاثنان في الكلام مع الناس الذين يقابلونهم في الطريق , فإذا سئل أبو بكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: هذا الرجل يهديني السبيل , فيحسب الحاسب إنه إنما يعني الطريق , وإنما يعني سبيل الخير . وقد صح أن الدليل أخذ بهم طريق السواحل.
وبالجملة: فإن المعجزات جند من جنود الله تعالى أيد بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكرمه بها ، وكان لها الأثر الفاعل في إرساء دعائم دعوته المباركة ، والله الموفّق .
ــــــــــــ