فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 205

المسجد النبوي

• ... المقدمة

• ... وقفة حساب

• ... وقفة تأمل

• ... الهجرة والمجتمع الجديد

• ... الإحتفال بالمناسبات الإسلامية

• ... الرسالة المحمدية

• ... يهود المدينة

• ... الخاتمة

المقدمة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خصنا بخير كتاب أنزل وأكرمنا بخير نبي أرسل ، وأتم علينا النعمة بأعظم دين شرع ، وجعلنا بهذا الدين خير أمة أخرجت للناس أمة وسطا لنكون شهداء على الناس ويكون الرسول علينا شهيدا، وأشهد أنا سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمدًا عبد الله ورسوله، أدى الرسالة وبلغ الأمانة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده وأحيا الله برسالته قلوبًا ميتة وأسمع به آذانا صما وبصر به أعين عميًا وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، اللهم صلي وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم وعلى آله وصحابته وأحينا اللهم على سنته وأمتنا على ملته واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

أما بعد ،،،

فيا أيها الأخوة المسلمون ، بالأمس استقبلنا عامًا هجريًا جديدًا وودعنا عامًا آخر ، وهكذا مسيرة الحياة للإنسان ، نودع ونستقبل ، الإنسان دائمًا مودع ومستقبل ، مودع يومًا ومستقبل يومًا ، مودع أسبوعًا ومستقبل أسبوعًا ، مودع شهرًا ومستقبل شهرًا ، مودع عامًا ومستقبل عامًا ، وهذه كلها محسوبة من عمر الإنسان ، كل عام ينقضي بل كل يوم ينقضي بل كل ساعة تنقضي بل كل لحظة تنقضي هي صفحة من كتاب الإنسان تطوى وورقة من شجرة تذبل ، حتى ينتهي الأجل (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) .

وقفة حساب

من حق الإنسان أن يقف في رأس العام وقفتين، وقفة يحاسب فيها نفسه الحساب الختامي على عام مضى، ماذا سجل فيه من خير؟ وماذا اكتسب فيه من شر؟ ماذا له وماذا عليه ؟ ماذا ربح وماذا خسر؟ وفي أي شيء ربح وفي أي شيء خسر؟ التاجر الواعي هو الذي يحاسب نفسه آخر كل عام ، يجرد حساب الأرباح والخسائر ليحاول أن يتفادى الخسائر وأن يزداد من الأرباح ، هذا في أرباح الدنيا وخسائرها ، فما بالكم بأرباح الآخرة وخسائرها، من واجب كل مسلم أن يقف هذه الوقفة، ومن واجب الأمة أن تقف هذه الوقفة على رأس كل عام ، ماذا قدمت؟ وماذا أخرت؟ ماذا كسبت فيه وماذا خسرت؟، من حق الأمم الواعية النضيجة البصيرة أن تقف هذه الوقفة لتعرف ماذا صنعت ، من واجب أمتنا أن تقف هذه الوقفة لتحاسب نفسها ماذا صنعت في قضية فلسطين؟، وماذا صنعت في قضية الشيشان؟، وماذا صنعت في قضية كشمير؟، ماذا صنعت في قضية أفغانستان ؟ وفي القضايا المعلقة القديمة، هل أدت الأمة واجبها؟ أم لم تؤد الواجب المطلوب منها ، هذه المحاسبة دليل الحياة والوعي والإيمان، ودليل العقل ، فالكيس من دان نفسه، العاقل الفطن المتصرف التصرف الحسن الكيس من دان نفسه، من حاكمها وحاسبها، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم..) ، الأمر ليس بالأمانيّ، (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، ليست الجنة بالعناوين ، ولا بالأسماء ولا بالدعاوى ، (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوء يجزى به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرا) ، (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) ، هذه وقفة على رأس العام.

وقفة تأمل

ووقفة أخرى للتأمل في هذا الحدث ، الهجرة ، التي ألهم عمر بن الخطاب وألهم المسلمون معه أن يجعلوها بداية لتاريخ هذه الأمة ، لم يجعلوا بداية التاريخ لهذه الأمة ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بعثته ، ولا وفاته ، ولا الانتصار في غزوة بدر أو فتح مكة ، إنما جعلوا هذا التاريخ يبدأ من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، والهجرة لم تكن في محرم ، الهجرة كانت في شهر ربيع الأول ولكن عمر والصحابة قالوا نبدأ العام من أوله ، من أول شهر المحرم ، فاتخذوا هذا الحدث الجليل بداية لتاريخ هذه الأمة ، فهل هو جدير بهذا ؟ نعم ، هو جدير بهذا ، لقد هاجر رسل الله عامة أو عدد كبير من رسل الله هاجروا ، ولكن لم تكن هجرتهم مثل هجرة محمد عليه الصلاة والسلام ، هاجر إبراهيم (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم) ، (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) فخرج من بلد إلى بلد إلى أن استقر به المقام في فلسطين وفي المدينة التي دفن فيه وسميت باسمه عليه الصلاة والسلام مدينة الخليل إبراهيم ، وهاجر موسى عليه السلام ، ولكن كانت هجرته قبل البعثة حينما خرج من مصر بعد أن قتل ذلك القبطي خطأ واستغفر الله وقال له من قال (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ، فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) وذهب إلى مدين وتزوج فيها وعاش فيها عشر سنوات مع ذلك الشيخ الكبير بعد أن تزوج ابنته ولم يكن له في هذه المدة السنوات العشر عمل يذكر ، كان شابًا صالحًا زوجًا طيبًا صهرًا كريمًا عاش مع هذا الرجل عشر سنوات ولكن لم يقم فيها بدور .

الهجرة والمجتمع الجديد

محمد عليه الصلاة والسلام لم تكن هجرته كهجرة موسى حينما قال (ففررت منكم لما خفتكم فوهبني الله حكما وجعلني من المرسلين) ، لم تكن هجرة محمد عليه الصلاة والسلام لمجرد الفرار من الفتنة أو الهرب من الإيذاء والتضييق ، لا ، لقد كانت الهجرة سعيًا حثيثًا لإقامة مجتمع جديد ، مجتمع إسلامي بمعنى الكلمة ، كانت سعيًا لإقامة مجتمع وبناء أمة وإنشاء دولة جديدة تقوم على الربانية والإنسانية والأخلاقية والعالمية ، كان هذا هو هدف محمد عليه الصلاة والسلام من هذه الهجرة ، وفعلًا استطاع أن يقيم هذه الدولة وأن يؤسس هذا المجتمع وينشيء هذه الأمة الجديدة خير أمة أخرجت للناس ، ولكن إذا كان استطاع في المدينة أن يقيم هذا المجتمع وتلك الدولة فإن الفضل يرجع في ذلك إلى مرحلة التأسيس في مكة ، إلى العهد المكي ، ليس الأمر كما قال أحد الكتاب الكويتيين القصير النظر أن محمدًا فشل في العهد المكي ، ولم يستطع أن يحقق ما هدف إليه ، كبرت كلمة تخرج من فيه ، ما قال إلا كذبا ، لم يفشل رسول الله عليه الصلاة والسلام ، بل كان هذا العهد المكي وهذه السنوات الثلاثة عشر استطاع فيها أن يقيم الأساس ، لم يرفع البناء وإنما وضع البناء ، الأساس ممكن أن يكون مترين أو ثلاثة ولكن ممكن أن تقيم عليه عمارة من خمسين طابقًا ، وكما قال الشاعر

خفي الأساس عن العيون تواضعا من بعد ما رفع البناء مشيدا

كانت مرحلة مكة مرحلة التأسيس ، مرحلة دار الأرقم بن أبي الأرقم التي يلقن فيها الرسول عليه الصلاة والسلام مبادئه وقيمه وتعاليمه لخلاصة أصحابه لتكوين الجيل الأول للإسلام الذي سيحمل الرسالة من بعد ويبلغ الدعوة إلى العالم ، هذا هو الجيل المؤسس الذي نشأ في دار الأرقم ، في العهد المكي نزل من القرآن نحو ثمانين سورة يلقنها النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه ويأخذونها عنه ويعيشون فيها وبها ولها ، عاشوا قرآنيين محمديين ، هذا العهد هو الذي قال الله فيه لرسوله (يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا ، نصفه أو انقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) يهيئه الله ويعده لهذا العبء الثقيل الذي ينتظره فعليه أن يهيئ نفسه في مدرسة الليل ومدرسة القرآن (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) فتهيأ لهذا القول الثقيل وهذا العبء الكبير بالقرآن وبقيام الليل ، كان العهد المكي هو عهد بناء هذا الجيل وتبليغ الدعوة ، ما وجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذلك سبيلا ، بلغها إلى أهله وإلى عشيرته الأقربين ، إلى قريش ومن حول قريش ، بلغها إلى القادمين إلى موسم الحج كل عام ، يعرض نفسه عليهم ، بلغها في الطائف ووصل إلى الطائف في رحلة آسية حزينة معروفة ، بلغها إلى كل من استطاع أن يبلغها إليه ، سمح لأصحابه أن يهاجروا إلى الحبشة مرتين فرارًا بدينهم وظل عليه الصلاة والسلام يعرض هذه الدعوة على قبائل العرب ، لم ييأس أبدا ولم يقنط من رحمة ربه أبدا ولم يلق السلاح أبدا ، حتى هيأ الله له هذه الفئة التي ادخرها الله تعالى لنصرة دينه من أبناء يثرب من الأوس والخزرج ، فحينما عرض عليهم الإسلام انشرح صدورهم وانفتحت قلوبهم ودخلوا في هذا الدين ، كانوا قليلًا ثم كثروا وبايعهم النبي عليه الصلاة والسلام في مكة وفي موسم الحج وفي العقبة ، بايعهم مرتين ، بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية ، بيعة العقبة الثانية هي التي عاهدهم فيها وعاهدوه على أن يهاجر إليهم وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وذراريهم ، هكذا بايعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كان هذا كله في العهد المكي ، تأسس العهد المدني في مكة ، ولولا هذا العهد المكي ما كانت الهجرة إلى المدينة ، ولذلك القول بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فشل في العهد المكي قول إنسان جسور وجريء على الله ورسوله وجهول لم يدرس السيرة النبوية كما ينبغي .

الإحتفال بالمناسبات الإسلامية

هذه الهجرة أيها الأخوة ، من حقنا نحن المسلمون أن نعتز بها ونفخر ، سألني أحد الأخوة على موقع (islamonline.net) على الإنترنت ، (لماذا لا يهتم المسلمون ولا يحتفون بمقدم العام الهجري كما يهتم النصارى ويحتفون بمقدم العام الميلادي؟) وهو سؤال محرج حقيقة ، هناك من المسلمين من يعتبرون أي احتفاء أو أي اهتمام أو أي حديث بالذكريات الإسلامية ، بالهجرة النبوية ، بالإسراء والمعراج ، بمولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، بغزوة بدر الكبرى ، بفتح مكة ، بأي حدث من أحداث سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أي حديث عن هذه الموضوعات يعتبرونه بدعة في الدين ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه ، إنما الذي ننكره في هذه الأشياء الاحتفالات التي تخالطها المنكرات ،وتخالطها مخالفات شرعية وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان كما يحدث في بعض البلاد في المولد النبوي وفي الموالد التي يقيمونها للأولياء والصالحين ، ولكن إذا انتهزنا هذه الفرصة للتذكير بسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبشخصية هذا النبي العظيم وبرسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين فأي بدعة في هذا وأي ضلالة ، إننا حينما نتحدث عن هذه الأحداث نذكر الناس بنعمة عظيمة ، والتذكير بالنعم مشروع ومحمود ومطلوب ، والله تعالى أمرنا بذلك في كتابه (قل يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) ، يذكر بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب حينما غزت قريش وغطفان وأحابيشهما النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين في عقر دارهم وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم وأرادوا إبادة خضراء المسلمين واستئصال شأفتهم وأنقذهم الله من هذه الورطة وأرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها الناس من الملائكة ، يذكرهم الله بهذا ، اذكروا لا تنسوا هذه الأشياء ، معناها أنه يجب علينا أن نذكر هذه النعم ولا ننساها ، وفي آية أخرى (قل يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيدهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) يذكرهم بما كان يهود بني قينقاع قد عزموا عليه أن يغتالوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومكروا مكرهم وكادوا كيدهم وكان مكر الله أقوى منهم وأسرع ، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) ، ذكر النعمة مطلوب إذن ، نتذكر نعم الله في هذا ونذكر المسلمين بهذه الأحداث وما فيها من عبر وما يستخلص منها من دروس ، أيعاب هذا ؟ أيكون هذا بدعة وضلالة ؟.

الرسالة المحمدية

ثم من ناحية أخرى أن هذا الحديث عن هذه الأحداث الكبيرة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل حادث الهجرة أو غزوة بدر أو فتح مكة أو غير ذلك إنما تمثل تجسيدًا للأسوة المحمدية ، نحن مأمورون أن نأتسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن نتخذه مثلًا بشريًا أعلى لنا ، فقد وضع الله فيه الكمالات التي تفرقت في الرسل واجتمعت في شخصه ، الله تعالى ذكر له عدد من الرسل ثم قال (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) فاقتدى بهدي الأنبياء وبهدى الأنبياء جميعًا ، ولذلك قال"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"تمم الله فيه المكارم التي توزعت عند الآخرين ، فمن حقنا أن نتمثل هذه الأسوة ، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) ، هو أسوة في كل شيء ، أسوة في معاملته للحق تبارك وتعالى ، وفي معاملة الحق له ، أسوة في معاملته للخلق سواء كانوا أنصارًا أم خصومًا ، موالين أم معادين ، وكذلك في معاملة الخلق له ، هو أسوة في ذلك كله وسيرته حافلة وجامعة يستطيع كل إنسان أن يتخذ منها موضعًا للقدوة ، فليست كسيرة بعض النبيين يمكن أن تقتدي به في موضع ولا تقتدي فيه بآخر ، تستطيع أن تقتدي بالمسيح عليه السلام في زهده وبعده عن الدنيا وإعراضه عن زخارف الحياة ، ولكنك لا تستطيع أن تقتدي به زوجًا فلم يتزوج ، ولا أبًا ولا جدًا ولا تستطيع أن تقتدي به في الحرب والسلم لأنه لم يسالم ولم يحارب ، ولا تستطيع أن تقتدي به في حالة الغنى لأنه لم يملك مالًا ، ولا تستطيع أن تقتدي به في حالة الحكم لأنه لم يحكم . أما محمد - صلى الله عليه وسلم - فتستطيع أن تقتدي به في كل هذه الأمور ، العزب يستطيع أن يقتدي به في حالة العزوبة لأنه لم يتزوج إلا في الخامسة والعشرين ، كيف قضى هذه السنين من البلوغ حوالي عشر سنوات يقتضي به ، المتزوج بزوجة واحدة يستطيع أن يقتضي به لأنه عاش مع زوجة واحدة تكبره بخمسة عشر عامًا معظم عمره ، من الخامسة والعشرين حتى الخمسين ، وصاحب الزوجتين والأكثر يستطيع أن يقتدي به لأنه في أواخر حياته اقتضت ظروف الدعوة أن يتزوج وتزوج الكبيرة والصغيرة والعربية والإسرائيلية والبكر والثيب وصاحبة الأولاد وغير صاحبة الأولاد .. أنواع ، ليجد كل إنسان في حياته مجالًا للقدوة ، يستطيع الوالد أن يقتدي به في معاملة أولاده البنين والبنات ، في حالة الحياة وفي حالة الممات ، لأن معظم أولاده ودعهم في حياتهم ، مات أولاده بنين وبنات في حياته ما عدا أصغر بناته فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، هذا نبي جعله الله أسوة ، فلماذا نحرم أنفسنا من الحديث عن هذه الأسوة المحمدية ؟ والحديث عن الأسوة في وقتها هو أنسب وأوقع ، المربون الحقيقيون يقولون انتهز الفرصة لتربي التلميذ ، لتربي التابع عندما تأتي الفرصة ، تربط الفرصة والمناسبة بالمقصود التربوي والهدف التربوي ، لا مانع إذن أن نتحدث في هذه المناسبات عن شخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال عن نفسه"إنما أنا رحمة مهداه"أخذ ذلك من قول الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو خير الناس في كل أحواله ، هو خير المهاجرين وخير الدعاة وخير القواد في الحرب وخير الأئمة في الصلاة وخير القضاة إذا حكم وخير المفتين إذا أفتى وخير الأزواج إذا تزوج وخير الآباء إذا أنجب وخير الأجداد إذا أحفد وخير الناس في كل شيء ، الله تعالى جعله المثل الأعلى ليرى الناس الكمال البشري مجسدًا والإسلام الحي ماثلًا أمام الأعين ، الناس ليسوا فلاسفة يعرفون الأمور بالتجريب والوصف النظري ، الناس في حاجة إلى مثل عملي ، إلى مثال مجسد يرونه أمامهم واضحًا للأعين مسموعًا للآذان مؤثرًا في القلوب وكان هذا هو محمدًا رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

فيا أيها الأخوة المسلمون ، حاولوا أن تدرسوا سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، تدرسوها من ينابيعها الصافية ، من القرآن الكريم ، ومن الحديث ومن كتب السيرة ومن كتب التاريخ العام ومن غيرها من الكتب حتى تعيشوا مع هذا الرسول الكريم وتتأسوا به وليكون لكم نعم المعلم ونعم الأسوة ، أسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا وأن ينير لنا طريقنا وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ، وادعوه يستجب لكم .

يهود المدينة

الحمد لله ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يسبح له ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد عبدالله ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين.

أما بعد ،،،

فعندما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، كان فيها ثلاث قبائل من اليهود ، حينما شرد اليهود في الأرض وكانوا كما قال الله تبارك وتعالى (وقطعناهم في الأرض أمما) جزاء ما أفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم وأدبهم من أدبهم ، ومن هؤلاء الرومان الذين شتتوهم في أنحاء الأرض ، وكان منهم قبائل ذهبت إلى بلاد العرب واستوطنت ضواحي يثرب ، هذه القبائل هي قبائل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، وجدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حول المدينة فعقد معهم اتفاقًا ، اتفاقية مشهورة ، كتبت وحددت العلاقات ونظمت الحقوق والواجبات بين أهل هذه المدينة التي تعتبر أساسًا للدولة الجديدة ، المدينة كانت تأسيسًا لجماعة جديدة ، لم يقل القرآن (يا أيها الذين آمنوا ) إلا في العهد المدني لأن هذا خطاب للجماعة المؤمنة ، قبل ذلك (يا أيها الناس) ، (يا أهل الكتاب) ، يا كذا .. إنما في المدينة (يا أيها الذين آمنوا ) لأنه تأسست جماعة جديدة على أساس الإيمان بالله وبرسالاته وبكتابه وباليوم الآخر ، أقام الرسول هذه المعاهدة لضبط الأمور وتحديدها ولذلك يعتبر كثير من الدارسين والباحثين في السيرة النبوية يعتبرون هذه المعاهدة بمثابة دستور مكتوب ينظم العلاقة بين المسلمين بعضهم وبعض والقبائل بعضها وبعض وبينهم وبين اليهود في حالة السلم وفي حالة الحرب ، ومما يذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام وجدهم يصومون يوم عاشوراء ، العاشر من المحرم ، فسألهم لماذا تصومون هذا اليوم فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل فقال عليه الصلاة والسلام"نحن أولى بموسى منكم"فصامه وأمر بصيامه ، صيام يوم العاشر من المحرم ، ولكنه في أواخر حياته كان يحب أن يتميز عن أهل الكتاب ويقول دائمًا خالفوهم حتى تتميز الشخصية المسلمة عن غيرها في عباداتها ومعاملاتها وأخلاقياتها ولا تذوب في غيرها من الأمم ، فلذلك قال في آخر حياته"لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع"أي مع العاشر ، يصوم يومين حتى لا يكون اليوم العاشر الذي يصومه أهل الكتاب ولكنه قدر له عليه الصلاة والسلام أن يلحق بالرفيق الأعلى ويلقى ربه فلم يصم اليوم التاسع ولكنه عزم على هذا فأصبح سنة ، ومن أجل هذا نوصي المسلمين بصيام عاشوراء وتاسوعاء أسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، المهم أن هؤلاء اليهود سرعان ما نقضوا العهد ، سرعان ما نكثوا العهود وتعدوا الحدود وغلبت عليهم طبيعة الغدر التي تعودوا عليها حتى مع رسل الله ومع أنبيائه (فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريق كذبتم وفريق تقتلون) ، (وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يعلمون) ، (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) سرعان ما نقضت هذه القبائل اليهودية واحدة بعد الأخرى عهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بدأ بنو قينقاع ثم بنو النضير الذين نزلت فيهم أوائل سورة الحشر ثم بنو قريضة الذين كانوا مع المغيرين على المدينة ضد محمد - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ، كان المفروض أن يكونوا مع الرسول ضد هؤلاء الذين يهاجمون المدينة من الخارج كما تقضي الاتفاقية ، لكنهم نقضوا العهد وقالوا لقريش نحن معكم على محمد ولذلك القرآن يقول (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم) من الداخل ومن الخارج ، ولذلك كان عقابهم أليمًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم كانت غزوة خيبر ، هذه هي طبيعة اليهود النقض للعهود ، لا يرقبون في مؤمن إنًا ولا ذمة ، ولا يرعون لمسلم عهدًا ولا حرمة ولا يتوقع منهم أن يفوا بعهد وانظروا ماذا يفعلون الآن ، اتفاق مدريد أو محادثات مدريد ثم اتفاق أوسلو ثم واي ريفر ثم شرم الشيخ ثم .. ثم .. وكلها حبر على ورق في نظر هؤلاء ، لا يريدون أن تقوم للفلسطينيين دولة حرة مستقلة يسودون فيها على أرضهم ، إنما تظل دويلة أو سلطة تحت رحمتهم لا يملكون أرضها ولا سماءها ولا مياهها ولا أجواءها ولا يملكون ما حولها، الممرات في أيديهم، هذا ما تريده الدولة اليهودية الصهيونية الإسرائيلية والعجب منا أننا نصدق أن هؤلاء سيعطوننا شيئًا، لن يعطونا إلا السراب ، (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) .

الخاتمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت