فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 205

ممدوح إبراهيم الطنطاوي

كانت الهجرة النبوية حدثًا عالميًا فاصلًا بين مرحلتي الكفر والإيمان، فهجرته - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة كانت نصرًا للدعوة الإسلامية بكل ما تحويه الكلمة من معان، فلولا الهجرة ما كان لدولة الإسلام أن تقوم لها قائمة بعد أن أجمعت قوى الشرك أمرها للقضاء على هذا الدين في مهده، ولكن الله - تعالى - أبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون فحفظ نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضوان الله عليهم، وتمت الهجرة وانتصر الإسلام.. وقد تجلت فيها دروس عظيمة وعبر جمة؛ مازال المسلمون ينهلون من فيضها حتى يومنا هذا.

ومن هذه الدروس:

التوكل على الله - تعالى:

خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وحيدًا من داره مخترقًا هذا الجمع الذي يترصده حتى ينام فيقضي عليه.. سار بينهم متوكلًا على الله - تعالى - وواثقًا في نصره - عز وجل - فأغشى الله أبصارهم.. يقول الله - تبارك و تعالى: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) {يس: 9} خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وراح المشركون يتخبطون في البحث عنه، وقد رصدوا الجوائز لمن يقتله أو يدلهم عليه.. وانطلق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى غار ثور حيث اختبآ فيه، وعندما وصل المشركون إليه ارتعدت فرائص أبي بكر خوفًا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا بالنبي الواثق في نصر ربه والمطمئن إلى تأييد الخالق المدبر - عز وجل - يطمئن أبا بكر قائلًا له:"يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا"وفي رواية:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (1) ، ولقد كان لهذا التوكل العظيم على الله - تعالى -، والثقة في نصره أعظم الأثر، فقد نصره الله وأيده وكفاه.. يقول - تبارك و تعالى: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى"وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم 40 {التوبة: 40} فالنصر على العدو هو أحد ثمار التوكل على الله، كما أن من ثماره التمكين في الأرض، والسعادة في الدنيا والجنة في الآخرة.. يقول الله - تعالى:"ومن يتوكل على الله فهو حسبه3" {الطلاق: 3} والتوكل لا التواكل صفة من صفات عباد الله المؤمنين.. قال - تعالى:"وعلى الله فليتوكل المؤمنون 122" {آل عمران: 122} ."

التضحية في سبيل الله - تعالى:

والتضحية في سبيل الله - تعالى - لإعلاء كلمته، وحماية الدين من الدروس التربوية التي تجلت في الهجرة النبوية، فقد ضرب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أروع الأمثلة في التضحية والفداء عندما نام في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - وتدثر ببردته الخضراء ليتلقى الطعنات والضربات بدلًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنه لموقف عظيم.. شاب في ريعان الفتوة والشباب ينام على فراشٍ، ويوقن أنه سيقتل لا محالة، فسيوف الشرك قد تهيأت للقضاء على نبي الإسلام وسيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أخذ الحقد من هؤلاء - ضد الإسلام وأهله - مأخذًا عظيمًا.. ولكن إذا كانت التضحية من أجل إعلاء كلمة الله لتكون هي العليا وتكون كلمة الذين كفروا السفلى هانت النفس رخيصة في سبيل الله.

قام علي بواجبه على أكمل وجه وكفاه الله كما حمى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد جهل هؤلاء المشركون أن الله - عز وجل - قادر على ذلك.. يقول - تعالى:"والله يعصمك من الناس 67" {المائدة: 67} .. ويكمل علي دوره العظيم فقد انتظر بمكة ثلاثة أيام حتى أدى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الودائع التي كانت عنده للناس، ثم سافر إلى"قباء" (2) مشيًا على قدميه، وقد وصل وقدماه تدميان، وقد تألم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لرؤية ما أصابه فغسل لعلي رجليه، وفي هذا نزل قول الله - تعالى:"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 30" {الأنفال: 30} .

والتضحية في سبيل الله لا تكون بالنفس فقط، وإنما بالمال أيضًا فقد ترك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أملاكهم وبيوتهم وأرضهم، ولم يأخذوا معهم سوى أمتعتهم الشخصية القليلة، وأما من يملك المال منهم فقد حمله ثم أنفقه على أخوته من المهاجرين في مهجرهم، فهذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يحمل ماله في الهجرة ابتغاء مرضاة الله - تعالى - وطمعًا في جنته يقول الله - تبارك و تعالى:"الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون 262" {البقرة: 262} .

السرية وأهمية الكتمان:

السرية أمر مهم جدًا لقضاء الحوائج، والكتمان ضروري جدًا لإتمام المهام الصعبة خاصة ما يتعلق بالأمور الحيوية والعسكرية للدولة، وقد طبق الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبدأ السرية في الهجرة من مكة إلى المدينة، فضرب أروع الأمثلة فيما يجب أن تكون عليه الأمة من تكتم في الأمور المهمة التي تمس أمن المسلمين وحياتهم.. فعن عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت:"كان لا يخطئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري (3) قومه.. أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الساعة إلا لأمر حدث، قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليس عند أبي بكر أحد إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أخرج عني من عندك"قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي وما ذاك فداك أبي وأمي؟ قال:"إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة" (4) فكان طلب الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - من أبي بكر أن يخرج من عنده - وهم أقرب الأقربين - ليخبره بأمر الهجرة على إنفراد تأكيدًا على أهمية السرية والكتمان لإنجاح المهمة وتأمين الركب."

كما أنه - صلى الله عليه وسلم - قد استأجر"عبد الله بن أريقط" (5) وهو رجل مشرك ليكون دليلهما على الطريق إمعانًا في التكتم وتضليلًا للعدو.. ثم إنه سلك بهما بعد خروجهما من الغار اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى وصل بهما إلى طريق لم يألفه الناس فاتجه شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلكا معه طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا. (6) فيجب التنبه إلى هذا الدرس التربوي العظيم، وبثه في نفوس أبناء الأمة، وغرسه في جندها لماله من أهمية قصوى وما فيه من فوائد جمة. وما أحوجنا في هذه الأيام إلى تحقيق هذا المبدأ خاصة بعد انتشار الفضائيات والتقنيات الرقمية ووسائل الاتصال وشبكة الإنترنت، وما يصاحب ذلك من إمكانية تسرب الأخبار بصورة مذهلة.

رسالة المسجد وأهميته في الإسلام:

وصل الركب المبارك إلى قباء فنزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها في يوم الإثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة - وهي السنة الأولى من الهجرة - الموافق 23 سبتمبر سنة 622م (7) ، وأقام بها - صلى الله عليه وسلم - أربعة أيام، فأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة الشريفة وقد تولى بناء مسجده - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وأصحابه من المهاجرين والأنصار بالمدينة في الموضع الذي بركت فيه راحلته.. فعن ابن إسحاق، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب ناقته، وأرخى لها الزمام، فجعلت لا تمر بدار من دور الأنصار إلا دعاه أهلها إلى النزول عندهم، وقالوا له: هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة فيقول لهم - صلى الله عليه وسلم -:"خلوا زمامها فإنها مأمورة"حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبركت على باب مسجده" (8) .. فكان المسجد أول ما بادر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى بنائه حتى تقام الصلوات وشعائر الإسلام فيه، فهو أول مدرسة في الإسلام، تجمع المسلمين وتؤلف بين قلوبهم، ويتعلمون فيها أمور دينهم ودنياهم.. وتبنى فيها الأجيال، وتصنع الأبطال، وتحل فيها مشكلاتهم.. فرسالة المسجد شاملة فهي تعليمية وتربوية واجتماعية ودينية. ويجب علينا أن ندرك أنه لا ينبغي اعتبار دور المسجد في التربية والتعليم انتقاصًا من دور المدرسة ومعاهد العلم والجامعات.. يقول الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق - يرحمه الله:"فالفارق بين المدرسة وبين المسجد، وبين الجامعة وبين الجامع، هو فارق في الشكل فقط، وإلا فالمدرسة في الإسلام مسجد، والمسجد في الإسلام مدرسة؛ حيث لم تظهر المدارس في تاريخ التربية الإسلامية إلا في حدود القرن الرابع الهجري، وكانت في بداية نشأتها فرعًا من فروع المسجد، ثم تطورت إلى أن أصبحت هي الأصل، والمسجد جزء منها، وبناء على هذا الارتباط الوثيق بين المسجد، وبين التعليم والعلم في الإسلام - ابتداء من المدرسة الابتدائية، وانتهاء بالجامعة والمدارس العليا - ينبغي عليها عند تكوين الأجيال الإسلامية، وبناء شخصياتهم العلمية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية؛ ينبغي عليها ألا تفارقها روح المسجد في هذا البناء وذلك التكوين، وأن تستحضرها في جميع أعمالها التربوية ونشاطاتها الثقافية" (9) ."

خلق الإيثار في الإسلام:

وصل المهاجران - محمد - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق رضي الله عنه - إلى المدينة حيث استقبلهما الأنصار - رضي الله عنهم - أعظم استقبال، وبدأ تنظيم المجتمع الإسلامي الجديد الذي بني على التقوى والحب والإخاء والإيثار، فقد أعطى كل أنصاري من الأنصار نصف بيته لأخيه المهاجر.. واقتسم معه تجارته وشاركه في أمواله، بل وصل إيثار الأنصار أن بعضهم كان يعرض إحدى زوجاته على أخيه من المهاجرين ليطلقها الأنصاري ويتزوجها المهاجر، وفي هذه النصرة وهذا الإيثار العظيم يقول ربنا - عز وجل: والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على"أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون 9 {الحشر: 9} ."

وقد تكوَّن المجتمع الإسلامي الأول في إطار من المحبة والإخاء والعزة والحرية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا.. فقد خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة مهاجرًا إلى المدينة وليس معه إلا صاحب واحد وقلة قليلة جدًا لمعاونته، وقد سبقه عشرات من المسلمين حتى مكن له الله - جل وعلا - في الأرض ونصره، ودخل الناس في دين الله أفواجًا من شتى القبائل والأماكن.. فعاد إلى مكة في العام الثامن الهجري فاتحًا على رأس عشرة آلاف مسلم موحد من خيرة أصحابه، وقد فتحها من دون قتال أو سفك دماء.. خرج منها ليلًا هاربًا - فرارًا بالدين - ودخلها في وضح النهار - منتصرًا بالدين عزيزًا - وهذا جزاء الصابرين الصادقين، فبالإيمان الصادق والعلم النافع، والتخطيط السليم يرتفع شأن أمة الإسلام، وبوحدة المسلمين يكون عزهم ومجدهم.. إن واجبنا نحو الهجرة هو إحياء سنة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ، والتمسك بهديه واتباع دربه القويم فنكون من الفالحين في الدنيا والفائزين في الآخرة.

الهوامش:

1-أخرجه البخاري في المناقب (3653) ، ومسلم في فضائل الصحابة (2381) .

2-قباء: قرية بالقرب من المدينة المنورة. 3- أي: من بين أيديهم.

4-رواه ابن اسحق، راجع: ابن الأثير-الكامل في التاريخ، ج2 - ط3، دار الكتب العلمية - بيروت (1418ه - 1998م) .

5-هو رجل مشرك من بني الدئل بن بكر، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو.

6-للاستزادة انظر- صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، ص 150 وما بعدها - ط1 - دار المنار، القاهرة (1415ه - 1995م) .

7-المرجع السابق، ص 153.

8-أبو جعفر الطبري- تاريخ الأمم والملوك، ج3 - ص8، ط1، دار الفكر - بيروت (1418ه - 1998م) .

9-الإمام جاد الحق علي جاد الحق- (المسجد إنشاءً ورسالة وتاريخًا) ص17 ط1 - كتيب الأزهر، القاهرة (رمضان 1416ه - 1996م) .

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت