فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 205

من دروس الهجرة

الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرباصي

أحمد الله - تبارك و تعالى -، هو الدائم الذي لا يتبدل، والباقي الذي لا يزول:"هُوَ الأوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (الحديد: 3) .. نشهد أن لا إله إلا أنت:"تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (آل عمران: 27) ، ونشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبدك ورسولك؛ عبَدَكَ في ليله، وجاهد لكَ في نهاره، فكان عبدًا شكورًا، فعليه صلواتك وسلامك، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الذاكرين المعتبِرين، وأتباعه المستمسكين بحبل الله القوي المتين:"فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" (الأنبياء: 94) .

يا أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -:

في هذه الآونة الحاضرة من تاريخ الدنيا ومَرِّ الزمن، يقف أبناء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وقفة الاعتبار والذكرى؛ لأنهم يودِّعون من حياتهم عامًا مضى بما له وما عليه، ولا يدرون ما الله قاضٍ فيه، وهم يستقبلون ببزوغ هلال السنة الهجرية بعد قليلٍ عامًا جديدًا لا يدرون ما الله فاعلٌ فيه:"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (لقمان: من الآية 34) .

وهم في هذه الوقفة يتذكرون أعظم حادث في تاريخهم، كان نقطة التحول في تاريخ البشرية، وكان بداية الانتقال من الضعف إلى القوة، ومن الحيرة والبلبلة إلى الاستقرار والاستعلاء، ألا وهو حادث هجرة النبي محمد- عليه صلوات الله وسلامه عليه- من مكة إلى المدينة، بعد أن فعل الكافرون به وبقومه الأفاعيل، وبعد أن تربصوا بدين الله الدوائر، ووقفوا لدعوة النور في كل مرصد، يقطعون عليها الطريق، ويعذبون أهلها العذاب الشديد، لا لشيء إلا لأنهم قالوا: ربنا الله، وفوق أن هذه الهجرة كانت رحمةً من الله لعباده ونجدةً، نراها قد انطوت على دروس كثيرة عميقةِ الدلالةِ دقيقةِ المغزى، بعيدةِ الأثر في نفوس الكرام، ومن واجب المسلمين أن يحسنوا الانتفاع بهذه الدروس عن طريق تذكرها والتأثر بها:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" (ق: 37) .

من الدروس التي نفقهها في حادث الهجرة أن صاحب المبدأ القويم الكريم لا يساوَم فيه ولا يحيد عنه، بل هو يجاهد من أجله ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وهو يستهين بالشدائد والمصاعب، تعترض طريقه عن يمين وشمال، ولكنه في الوقت نفسه لا يصبر على الذي يناله، ولا يرضى بالهوان يلحق دعوته، فإذا أحس بشيء من ذلك نأى بدعوته عن مواطن إذلالها، واغترب بها ليحفظ كرامتها ويصونَ حياتها، ولو أدى ذلك إلى ترك البلد والوطن، والأهل والسكن، وهاهو ذا محمد- صلوات الله عليه- يترك مع صحبه ديارَهم وعقارَهم، ومساكنَهم وأموالَهم، ويخرجون مغتربين في سبيل الله، مجاهدين لوجه الله، فأعزَّ الله شأنَهم، وكتب النصر لهم، وزكَّى رسولُ الله شأنَ هذه الغربةِ حين قال:"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".

وإذا كان إمام الأنبياء محمد- عليه الصلاة والسلام - قد ترك دارَه ووطنه في سبيل دينه ودعوته، فليس معنى هذا أنه تنكَّر لهذا الوطن، أو نسي حقَّه، أو استهان بمكانته- معاذ الله- فإن الرجل الأصيل وإن اغترب يظلُّ حافظًا عهدَ بلاده، ذاكرًا حقوق وطنه، فهذا رسول الله يخرج من مكة مهاجرًا مرغَمًا، وما يكاد يبلغ ظاهر مكة حتى يلتفت إليها في حنين عارمٍ، وشوقٍ قاهرٍ، وحبٍ عميقٍ، ويناجيها قائلًا:"والله إنك لأحب أرض الله إليَّ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك قهرًا ما خرجت"، وكان كلما ألحَّ به الشوق وبصحبه إلى مكة يدعو ربه قائلًا:"اللهم حبِّب إلينا المدينة، كما حبَّبت إلينا مكة"؛ وذلك لتخفَّ حدة الشوق.. وترجم القرآن الكريم عن شوق محمد إلى مكة وتعلقِه بها، وعن تلطفِ الله برسوله في هذا المجال، فقال - سبحانه:"إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ" (القصص: 85) .

ولقد أمر الله نبيه قبل الهجرة بأن يتجه في صلاته إلى بيت المقدس، فأطاع الرسول أمرَ ربه، وإن كان يحب في نفسه التوجه إلى الكعبة في مكة، وجعل"محمد"يقلِّب وجهه إلى الكعبة، ولما نزل القرآن بالتحول إلى الكعبة استدار"محمد"وهو في صلاته، فكان في نصفها الأول متجهًا إلى بيت المقدس، واتجه في نصفها الآخر إلى الكعبة، وليس وراء ذلك تقدير للوطن وحب له من الغريب الأكرم محمد - صلى الله عليه وسلم - .

ومن دروس الكفاح التي نأخذها عن الهجرة: أن الشباب إذا نبتوا في بيئة الصلاح والتقوى والتهذيب، نشئوا على العمل الصالح، والسعيِ الحميدِ، والتصرفِ المجيدِ، وهؤلاءِ هم شباب الإسلام، قد رضعوا رحيق التربية الدينية الكريمة، فكان لهم في مواطن البطولة والمجد أخبار وذكريات، وهذه طائفة منهم تشارك في حادث الهجرة أفضل مشاركة.. هذه"عائشة"الصبيَّة تعد الطعام للمهاجرين العظيمين، وهذه"أسماء"الفتيَّة تحمل الزاد لهما وتربطه بنطاقها، وهذا"عبد الله بن أبي بكر"الفتى يتجسس لهما، ويحمل إليهما الأخبار وهما مختفيان في الغار.. وهذا"علي بن أبي طالب"الشاب يتعرَّض للتضحية الكبرى، ويقدم"علي"الفدائية المُثلى فينام في فراش الرسول ليلة الهجرة، وهو يعلم أن سيوف المشركين تستعد للانقضاض على النائم فوق هذا الفراش، ويظل"علي"في مكة بعد ذلك يؤدي الأمانات إلى أهلها، ثم يهاجر"علي"الشاب منفردًا في ثقة وإيمان.

ومن الدروس التي نأخذها عن الهجرة: أن الله ينصر من ينصره، ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به، ويكون للعبد المخلص الموقن حين تنقطع به الأسباب، وحين يخذله الناس، فهذه هي الهجرة يراها الأغرار الجهلاء فرارًا وانكسارًا، ولكنها في الواقع كانت عزًا من الله وانتصارًا، وهذا محمد وصاحبه تجتمع عليهما قوى البغي والطغيان، فتقبل عليهما عناية الرحمن:"إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة: 40) .

بم نصر الله رسوله يوم الهجرة؟

نصره الله بأضعف جنده، وما يعلم جنود ربك إلا هو.. نصره بنسج العنكبوت:"إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت: من الآية 41) ، ونصره ببيض الحمام، وما أرقَّ بيض الحمام:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَّخْشَى" (النازعات: 26) .

يا أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -:"إن المسلمين- وهم بين العام الراحل والعام المقبل- لابد لهم من نظرة يلقونها على سجلاَّتهم وصفحات حياتهم لينظروا ماذا كسبوا؟ وماذا خسروا؟ فيحمدوا الله- جل جلاله- على ما ربحوه، ويستغفروه مما اقترفوه أو صنعوه، فلنقف بين العامَين وقفة المهاجر بنفسه، وإن لم يهاجر بحسه.. فلنهاجر إلى الله بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا، ولنلجأ إليه حتى يكون لنا ومعنا.."إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (آل عمران: 160) ، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون."

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت