فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 205

إن التخطيطَ للهجرةِ من أعظم الدروس التي نستفيدُها في دعوتنا ، مأساة كثيرٍ من المسلمين بل مأساةُ الدعاة أن التخطيطَ لديهم فيه ضعفٌ كبير ، إن لم أقل: إنه لا يوجد لدى الكثيرِ منهم أبدا مفهومُ التخطيط ، لديهمُ الإعدادُ الضعيف ، بينما نجده في الهجرةِ يتمثَّل في أشياءَ كثيرة ، يتمثل في الاستعدادِ المبكرِ من الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، يتمثلُ التخطيطُ في تهيئةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه لذلك ، حيثُ جلس كما في الصحيحِ أربعةَ أشهرٍ ينتظرُ الهجرةَ معَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ويهيئُ الراحلةَ ، نجدُ التخطيطَ في إقامةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - عليا مكانه ، وعندما بدأت مراحلُ الهجرة ؛ جاءَ التخطيطُ الدقيقُ في خُطُوَات ، وانتبهوا إلى هذه الخطوات وهذا التخطيط:

أولا: الانتقالُ إلى غارِ ثورٍ ، ولماذا اختارَ النبيُ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكرٍ هذا الغار ؟ نعم . اختارا هذا الغارَ ليخالفوا ما أرادت إليه قريش ، فاتجهوا جنوبا .

ثانيا: توزيعُ الأدوار ، فعبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ يأتي بالأخبار ، وعامرُ بنُ فهيرةَ يأتي بالغنمِ ليحلبوا ويشربوا ، ويغطي آثارَ عبدِ اللهِ بنِ أبي بكر ، وأسماءُ تأتي بالطعام ، وعبدُ اللهِ بنُ أُرَيقِط يَسْتَعِدُ للانطلاقِ بهم بعدَ ثلاثِ ليال ، أرأيتم كيفَ أنه ترتيبٌ محكمٌ دقيقٌ مخططٌ له ، فهل نحن عندما نريد أن نُقْدمَ على أي أمرٍ من أمورِ الدعوة ؛ نستعدُّ لذلك ؟ نخططُّ له ، نُجيدُ تحديدَ المراحل ، المؤسفُ أن الواحدَ منا إذا أراد أن يَعْمُرَ بيتا ؛ جَلسَ يُخططُ عدةَ أشهرٍ ، نعم .. إذا أقبل على أمرٍ من أمورِ الدنيا ؛ خطَّطَ ورتبَ واستعدَ ، ولكن في أمورِ الدعوة في أمورِ الإسلام فإنه يَخْبِطُ خبطَ عشواء ، ومن هنا جاءتِ النتائجُ السلبيةُ والنتائجُ السيئةُ لكثيرٍ من الدعواتِ وكثيرٍ من الحركاتِ ؛ لأنهم يتحركونَ بدونِ تخطيطِ ، يتحركونَ بدونِ دراسةٍ للواقع ، وبدونِ حسابٍ للمستقبل ؛ حسبَ الأسبابِ التي شرعها الله سبحانه وتعالى ، وهذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يا أحبابي ، وهو رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُخططُ تخطيطًا بشريًا دقيقا ، يخططُ ليستفيدَ الدعاةُ من هذه التجربةِ ، إنها دروس ، فهل نستفيد منها ؟

تذكرتُ وفكرتُ في كثيرٍ من النكباتِ التي حلَّتْ بكثيرٍ من الجماعاتِ الإسلاميةِ في كثيرٍ من الدول ، ووجدتُ أن مِن أهمِّ أسبابِها ضعفُ التخطيطِ لمقابلةِ أعداءِ الله ، فالمسلمُ كَيِّسٌ فطن ، فلا يُقْدِمْ على أمرٍ إلا بعد أن يكونَ قد قلَّبَ جميعَ الأمور ، وأخذَ بجميعِ الوسائلِ والأسباب ، وهذا الدرسُ واضحٌ وجليٌ وعظيمٌ في سيرةِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، تخطيطٌ محكمٌ دقيقٌ ، لا تجدُ فيه ثغرةً من الثغراتِ ، فسبحانَ الله ! ما أحوجنا إلى أن نقفَ أمامَ هذا الأمرِ العظيم ؛ لتستفيدَ منه الأجيالُ بعد الأجيالِ ، فإلى متى والمسلمونَ يتخبَّطونَ في أمورهم ؟ إلى متي ونحن أبناءُ الصُدفةِ ، وأبناءُ العواطفِ ؟ فقطْ عواطفُ تهيجُ ثم تخبوا ، فأين الجِدُّ ؟ أين العزيمة ؟ أين الوُضوح ؟ فالأمرُ من الجدِّية بمكان ، ثم نقول بعد ذلك ونتفاخر"النصر من عند الله"؟! نعم ، بلا شكٍ: النصرُ من عند الله ، ولكن لا بُدَّ من الأخذِ بالأسباب ، لا بُدَّ من الأخذِ بالوسائلِ المشروعة ، فأين هذا من واقعنا ؟ أليس لنا في سيرةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - عبرة ؟ أليس لنا فيه عِظة ؟ بدأ وحيدا - صلى الله عليه وسلم - وبالرقمِ القياسيِ بدأتْ الدعوةُ في ازيادٍ شيئا فشيئا ، حتى قامتْ دولةُ الإسلام .. أيها الأحباب:

أكرر فأقول: لا مكانَ للفوضى في هذا العصر ، بل لا مكانَ للفوضى في حياةِ المسلم أبدا ، فكلُ واحدٍ منا يحاسبُ نفسه ولو من زاويةٍ ضيقةٍ ، ألسنا نعيشُ فوضى داخلَ حياتِنا الخاصةِ اليومية ، هل كلُ واحدٍ منا ينظِّمُ وقتَه تنظيمًا دقيقا ؟ هل كلُ واحدٍ منا يعيشُ هَمَّ هذه الدعوة ، ويفكِّرُ لها ليلَ نهار ؟ ثم ماذا عمِلَ إن كانَ فكَّرَ ورتَّبَ لذلك ؟ والله لا عُذر لنا أمامَ الله سبحانه وتعالى فيما نرى من المصائبِ والمشكلات

عاشرا: البيتُ المسلمُ المتكامل .

لقد كانَ البيتُ المسلمُ حاضرًا لأخطرِ قرارٍ في تأريخِ الدعوة ، فقد كانتْ عائشةُ وأسماءُ رضي الله عنهما تسْتمعانِ لتلكَ المداولاتِ التي دارت بين رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وبين والدهِما أبيِ بكر الصديقٍ رضي الله عنه قالت"بينما نحنُ يومًا جلوسٌ في بيتٍ أبي بكرٍ في نحرِ الظهيرةِ ، قال قائلٌ لأبي بكر: هذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - متقنِّعًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكرٍ: فداءً له أبي وأمي ، والله ما جاءَ به في هذه الساعةِ إلا أمرٌ ، قالت: فجاءَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستأذنَ فأذِنَ له فدخل ، فقال النبيُ - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: أَخْرِجْ مَن عندَك ، فقال أبو بكر: إنما هم أهلُكَ بأبي أنتَ يا رسول َالله ، قال: فإني قد أُذِنَ لي في الخروجِ ، فقال أبو بكرٍ: الصحبةَ بأبي أنت يا رسولَ الله ، قال رسولُ الله: نعم ، قال أبو بكرٍ: فخُذْ بأبي أنت يا رسولَ الله إحدى راحلتِي هاتين ، قال رسولُ الله ، بالثمنِ ، قالت عائشةُ: فجهزناهما أحسنَ الجهازِ وصنعنَا لهما سَفْرَةً في جرابٍ فقطَعَت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قِطعةً من نِطَاقِها فربطتْ به على فَمِ الجِرابِ فبذلكَ سُميت ذاتُ النطاقين"

الله أكبر .. ما أجملَ هذا البيتَ المسلمَ بيتَ أبي بكرٍ ، أبو بكرٍ ، وابْنُه عبد الله وابْنتاه أسماءُ وعائشةُ ، بل وحتى مولاهُ عامرُ بنُ فُهيرةَ ، في وسطِ الجاهليةِ ، ومرابضِ الوثنيةِ ، في وسط هذا الخِضَّمِ الأسودِ الذي يَهْرُبُ فيه المسلمونَ بعقيدتهم ، نجد بيتا صالحا فيه مُقَوِماتُ الصلاح ، فعندما قالَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -"أَخرِج من عندك ، قال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله"أكانَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يجهلُ أنهما ابنتا أبي بكر ؟ لا وربي ، فهْو يعْرفهُما ، ولكن أراد أبو بكرٍ أن يقولَ"إنهما على منهجي ، همَا على عقيدتي ، لا خوف عليهما يا رسولَ الله".

لقد وقفتُ أمامَ هذا البيتِ المسلمِ ، وقارنت هذا البيتَ المسلمَ ببيوتِنا في ديارِ الإسلام ، أين البيتُ الذي تتوفرُ فيه صفاتُ البيتِ المسلمِ كبيت أبي بكر ..؟

إن من أولى أولوياتِ البيتِ المسلمِ وأسما رسالةٍ يقدمُها للمجتمعِ تربيةُ الأولاد ، وتكوينُ جيلٍ صالحٍ قويٍ ، ولا قيمةَ للتربيةِ ولا أثرَ للنصيحةِ إلا بتحقيقِ القدوةِ الحسنةِ في الوالدين ؛ القدوةِ في العبادةِ والأخلاق ، القدوةِ في الأقوالِ والأعمال ، القدوةِ في المخبرِ والمظهر .

في غَيابِ البيتِ المسلمِ الهادئِ الهانئِ ينمو الانحرافُ ، وتفشو الجريمةُ ، وترتفعُ نسبةُ المخدرات ، بل ونسمعُ بارتفاعِ نسبةِ الانتحار .

إن البيتَ الذي لا يَغرِسُ الإيمانَ ولا يستقيمُ على نهجِ القرآن ولا يعيشُ في أُلفةٍ ووئام ، يُنجِبُ عناصرَ تعيشُ التمزُّقَ النفسي ، والضياعَ الفكري ، والفسادَ الأخلاقي ، هذا العقوقُ الذي نجده من بعضِ الأولادِ والعَلاقاتِ الخاسرةِ بين الشباب والتخلي عن المسؤوليةِ والإعراضِ عن الله والتمرُّدِ على القيمِ والمبادئِ الذي يعصِفُ بفريقٍ من أبناءِ أمتنا اليوم ، ذلك نتيجةٌ حتميةٌ لبيتٍ غفلَ عن التزكيةِ ، وأهملَ التربيةَ ، وفقدَ القدوةَ ، وتشتَّت شملُه .

البيتُ الذي يجعلُ شرائعَ الإسلام عِضين ، يأخذ ما يشتهي ، ويذرُ ما لا يريد ، إلى شرقٍ أو غرب ، يُنشئ نماذجَ بشريةٍ هزيلةً ونفوسًا مهزوزة ، لن تفلحَ في النهوضِ بالأمةِ إلى مواقعِ عزها وسُؤدُدِها .

من سماتِ البيت المسلم أنه يرُدُ أمرَه إلى الله ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - عندَ كلِّ خلاف ، وفي أي أمرٍ مهما كان صغيرًا ، وكلُ مَن فيه يرضى ويسلِّم بحكم الله وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا .

من سماتِ البيتِ المسلمِ تعاوُنُ أفراده على الطاعةِ والعبادة ، فضعْفُ إيمانِ الزوجِ تقوِّيهِ الزوجةُ ، واعوجاجُ سلوكِ الزوجةِ يقوِّمُه الزوج ، تكاملٌ وتعاضُد ، ونصيحةٌ وتناصر .

من سماتِ البيت المسلمِ الحياءُ ، وبه يُحصِّنُ البيتُ كِيانَه من سهامِ الفتكِ ووسائلِ الشر التي تدعُ الديارَ بلاقع ، لا يليقُ ببيتٍ أسِّس على التقوى أن يُهتَكَ سترُه ، ويُنقضَ حياؤه ، ويلوَّثَ هواؤه بما يخدشُ الحياءَ من أفلامٍ خليعةٍ وأغانٍ ماجنة ونبذٍ للحجابِ وتشبهٍ بأعداء الدين ، كلُ ذلك ينخِرُ كالسوسِ في كَيانِ البيتِ المسلم ، وبُؤَرًا تفتحُ مغالقَ الشرِّ وتدعُ العامرَ خرابا .

من سماتِ البيتِ المسلم أن أسراره محفوظةٌ ، وخلافاتِه مستورةٌ ، لا تُفشى ولا تُستقصى"إن من شرِّ الناسِ عند الله منزلةً يوم القيامةِ الرجلُ يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ، ثم يَنْشُرُ سِرَّها"

لا يدخلُ البيتَ المسلمَ من لا يُرضَى دينُه ، فدخولُ المفسدِ فسَاد ، ووَلوجُ المشبوهِ خطرٌ على فلذات الأكباد بهؤلاء فسدتِ الأخلاقُ في البيوت ، وفشا السحرُ ، وحدثتِ السرقاتُ ، وانقلبتِ الأفراحُ أتراحا ، بل إنهم معاوِلُ هدمٍ للبيتِ السعيد ، والله المستعان ..

لقد برزَ أثرُ الهجرةِ في مجالِ تربيةِ الشبابِ والمرأةِ وميدانِ البيتِ والأسرةِ ، ِففي موقفِ عبداللهِ بنِ أبي بكر رضي الله عنهما في خدمةِ ونُصرةِ صاحبِ الهجرة عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي ، ما يُجلّيِ أثرَ الشبابِ في الدعوةِ ودورِهم في الأمةِ ونُصرةِ الدينِ والمِلة ، فأين هذا مما يُنادي به بعضُ المحسوبينَ على فِكرِِ الأمةِ وثقافتِها من تخديرِ الشباب بالشهواتِ وجعلِهم فريسةً لمهازلِ القنواتِ وشبكةِ المعلوماتِ في الوقتِ الذي يُعَدُّون فيه للاطلاعِ بأغلى المهماتِ في الحفاظِ على الدينِ والقيم ، والثباتِ على الأخلاقِ والمبادئ أمامَ المتغيراتِ المتسارعةِ ودعاوَى العولمةِ المفضوحة ، وفي موقفِ أسماءَ بنتِ أبي بكر رضي الله عنها ما يُجَلّيِ دورَ المرأةِ المسلمةِ في خدمتِها لدينها ودعوتها ؛ فأين هذا من دُعاةِ المدنيةِ المأفونةِ الذين أجلبوا على المرأةِ بخيلِهم وَرَجِلِهم زاعمينَ زورًا وبُهتانا أنَّ تَمَسُّكَ المرأةِ بثوابتِها وقيمها واعتزازها بحجابها وعفافها تقييدٌ لحريتِها وفقدٌ لشخصيتها وبئسَ ما زعموا فخرجَتِ من البيتِ تبحثُ عن سعادةٍ موهومةٍ وتقدميّةٍ مزعومةٍ لتَظُنَّها في الأسواقِ والشوارعِ والملاهيِ والمصانعِ فرجعت مسلوبةَ الشرفِ مُدَنَّسةِ العرضِ مُغْتَصَبَةَ الحقوقِ عديمةَ الحياءِ موءودةَ الغيْرَة ، وتلكَ صورة من صورِ إنسانياتِ العصرِ المزعومةِ وحريتِه المأفونةِ ومدنيته المدَّعاة .. أقول:

ما أحوجنا إلى بيتٍ كبيتِ أبي بكر ، ما أحوجنا إلى أسرة كأسرة أبي بكر ، ما أحوجنا إلى إيمان كإيمان أبي بكر بل ما أحوجنا إلى آباء كأبي بكر وأبناء كأبناء أبي بكر ..

الحادي عشر: الصدق والإخلاص مع الله

نصْرُ الله سبحانَه وتعالى لنبيه أمرٌ جليٌ وواضحٌ وظاهر"إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا"روى الإمام البخاري في صحيحه قال: لما صعدَ كفارُ قريشٍ إلى الجبلِ ونظروا ؛ قال أبو بكر: يا رسولَ الله ، لو نظرَ أحدُهم إلى أسفلِ قدميه لرآنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟!"الله أكبر ، إنه التوكل والثقة بنصر الله تعالى لم يقل عليه الصلاة والسلام"ما ظنك بنبي وصاحبُه ؟!"لا"ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟! إنها قاعدةٌ عظيمة: أنَ كلَ اثنينِ صادقينِ مخلصين ؛ الله معهما ، لم يربطْ القضيةَ عليه الصلاة والسلام به ، لم يقل"يا أبا بكر ، لا تخف ؛ لأنني أنا موجودٌ ، أنا رسولُ الله"لا ، ربطَهَا بقضيةٍ أصليةٍ ؛ حتى إذا تكررتْ في يومِنا الحاضرِ ؛ يتكررُ الهدفُ والسببُ والنتيجة"ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟! إذا أصابتك مصيبة وأنت معتصم بالله ؛ فلا تخف ؛ فأمامك"ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟!"إذا ادلهمت عليك الخطوب من كل جانب فلا تحزن لأنك تقرأ"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"إذا واجهك عدو فاعتصم برب العدو لأنك تتلوا"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"إذا .."

القضيةُ ليست مربوطةً بأنه نبي ، لا ؛ لأن الله تعالى يقول"إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ"نبِيٌ وغيرُ نبي ، ما دام أنه على منهج النبي"إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ"نصْرُ الله كان لنبيه ، ولمن يقتفى سنةَ نبيه ، وسيكونُ وسيظلُ لكل صادقٍ مخلصٍ مؤمنٍ بالله متبعٍ نبيه ، كما نجد في هذا الأمرَ أن الأمرَ لا يتعلق بالقوةِ الماديةِ والضخامةِ المادية ؛ فكم بذلت قريشٌ من أجلِ هذا الأمر، ولكنها لم تُحقِّقْ شيئا ونَصَر الله نبيَه - صلى الله عليه وسلم - بوسائِله الضعيفةِ البسيطةِ الهزيلة ، لكنها الوسائل المادية ، أما وسائله الكبرى فهي وسائلٌ عظيمة ، أقواها وسيلةُ الإيمانِ بالله سبحانه وتعالى والصدقِ معه والتوكل عليه والثقة بنصره .

الثاني عشر: الداعية لا يمل ولا يكل .

المسلمُ ليسَ عنده توقُفٌ عن الدعوةِ لله عز وجل ، وعن السعيِ لنشرِ دينِ الله جل وعلا ، وهكذا كانَ النبيُ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن وَجَدَ الصدَّ في مكةَ ، ذهبَ إلى الطائفِ عليه الصلاة والسلام ، وبعد أن وجدَ الصدَّ هناكَ فتحَ لأصحابِه بابَ الهجرةِ إلى الحبشةِ أولًا ثم جاءت بيعةُ العقبةِ ثانيًا ثم بدأت بداياتُ الهجرة ، كلُ هذا طَرْقٌ لكلِ الأبوابِ والأسبابِ ومواصلةٌ للدعوة هناك وهناك ، وبعضُ الناس قد يَطْرُقُ بابًا أو بابين أو يلتقي بفردٍ أو اثنين ثم يقولُ سُدَّتِ الأبوابُ وانقطعتِ السبلُ ويرجعُ ويقعُدُ في بيته ، لكنّ النبيَ - صلى الله عليه وسلم - حينما أدركَ تآمرَ قريشٍ ، وأن قريشا لا تريدُ الإسلامَ ؛ استخدمَ معها كلَّ الوسائِل ، وبذلَ معهم جميعَ الأساليب ، مع عُتُوِّهِم ونفورهِم وإصرارهِم وعِنادهِم ، فلم يخطرْ بباله العودةَ إلى الغارِ أو يَعْبُدَ اللهَ في مسجده ، لا .. بدأ يبذُلُ الوسائلَ والأسبابَ للانتقالِ بهذه الدعوةِ إلى أرضٍ خصبةٍ ، فإذا كانت هذه الأرضُ لا تقبلُ هذه الدعوةَ فأرضُ الله واسعةٌ بدأ بالبحث ، وبعرضِ نفسِه - صلى الله عليه وسلم - على القبائلِ شيئا فشيئا ، وموسما موسما حتى وَجَدَ من هُمْ أهلٌ لهذه الدعوةِ ، وبلادَهم خير بلادٍ لهذه الدولة ، فالمسلمُ لا يستكين ، والداعيةُ لا يمل ولا يكل .

كثيرٌ من الدعاةِ يُصابُ باليأس ، كثيرٌ من الدعاةِ يصاب بالقنوط ، يقول"دعوت ودعوت ، فلم يُسمع لي ، لم يُستجب لي"لكننا نجدُ في سيرةِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي هجرتِه المثلَ الرائع ، والقدوةَ المُثلى للداعيةِ الصابرِ المرابط .

مشكلةُ كثيرٍ منَ المسلمين اليومَ أنهم يستعجلونَ النتائجَ فيُصابون باليأس ، بل أسوأُ من ذلك أنهم ربما شككوا في مبادئِهم ، شكوا في نصرِ الله سبحانه وتعالى ، شكوا بوعد الله سبحانه وتعالى الذي وعد أولياءَه بالنصر"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"فلا يصبرون ولا يتصبرون ، بل يستعجلون النتائجَ والثِمار ، ومن هنا حلَّت كثيرٌ من النكبات بكثيرٍ من المسلمين ، كثيرٌ من الدعواتِ أصيبتْ بالوهن ؛ لماذا ؟ لأنها استعجلتِ النتائجَ ؛ لأنها لم تصبِرْ على مقوماتِ الدعوة ، ولهذا جلسَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةَ عشرَ عامًا يدعو قومَه في مكةَ ومع ذلك لمَّا وصلَ إلى أمرٍ يقينِي بأنَّ هؤلاءِ القومَ لا يُريدون هذا الدين ، وأرادوا القضاءَ عليه ؛ بحث عن مأمْنٍ وأرضٍ ومخرج ، فبدأ بالاتصالِ بالقبائلِ ، وعَرَضَ نفسه عليها ومن هنا جاءَ ترتيبُ هذه الهجرةِ في بيعةِ العقبةِ الأولي ، وفي بيعةِ العقبةِ الثانيةِ ، وما تلا ذلك من مراحل ، حتى تمَّت هجرتُه صلى الله عليه وسل

الثالث عشر: بالصبرِ واليقينِ تُنالُ الإمامةُ في الدين .

يقولُ ابنُ القيمِ رحمه الله"اليقينُ من الإيمانِ بمنزلةِ الروح من الجسد"ويقول ابنُ تيميةَ رحمه الله"الصبرُ نصفُ الإيمان ، واليقينُ الإيمانُ كلُه"إن المسلمينَ اليوم ، وهم يمرونَ بمرحلةٍ عصيبةٍ من مراحلِ تاريخهم المعاصر وتكادُ تغلِبُ في هذه المرحلةِ عواملُ اليأسِ ومشاعرُ الإحباطِ لهم بأمسِّ الحاجةِ إلى التمسكِّ بالدين ، والعضِّ عليه بالنواجِذ ؛ لأن الاستسلامَ لليأسِ يقتلُ الهممَ ويُخَدِّرُ العزائمَ ويدمِّرُ الطموحات ، وهذه المعاني هي التي تُحَرِّكُ الإراداتِ إلى بذلِ الجهد ، ورغمَ تتابُعِ الفتنِ وتنوُعِهَا وتكاثُرِها فإن نصرَ الله آتٍ لا محالةَ كما وعدنا سبحانه شريطةَ أن نتمسكَ بدينِنا ونعتزَّ بشريعتِنا ويكونَ ولاؤنا لله ولرسولِه - صلى الله عليه وسلم - ولِمَنْ ولانا الله تعالى أمرهم"وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ""لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحقِ لا يضُرُهم من خَذَلَهم ولا من خَالَفهم حتى يأتَي أمرُ الله وهم ظاهرون"و"لا يزالُ هذا الدينُ قائمًا يُقاتِل عليه عِصَابةٌ من المسلمينَ حتى تقومَ الساعة"ومع تكاثُرِ أعداءِ الإسلام ، وتكالبِهم على هذا الدينِ ، والكيدِ له ولأهله ، إلا أن النصرَ والتمكينَ بمشيئةِ الله لحملةِ هذا الدينِ المبشرينَ بالثناءِ والتمكينِ كما مُكِّنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حياتِه وأذعنت له الأمم ، كيف لا وهو القائل"إن الله زوى ليَ الأرضَ فرأيتُ مشارقهَا ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغُ مُلكُهَا ما زُوي لي منها"كيف لا .. وهو القائل"ليبلغّنَ هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يتركُ الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدينَ بعز عزيز أو بذُلِّ ذليل ، عزًا يعز الله به دينَ الإسلام ، وذلًا يُذِلُ به الكفر"

إن عِزَّ هذه الأمةِ ، ورِفْعَةَ أهلِ الحقِّ لا تتِمُّ ولنْ تكونَ إلا بالعضِّ على هذا الدينِ بالنواجذِ عقيدةً وشريعةً ، صدقًا وعدلًا ثباتًا في الموقفِ وصدقًا مع الله"وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ""وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ"

إن تَرَقُّبَ النصرِ القادمِ الذي وعدَ الله عبادَه وعدًا لا يُخْلِفُه في قوله"وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ"من أجلى ينابيعِ الأملِ وأقواها لدى المسلم ، حيث تدفَعُه نحوَ العملِ لدينِه المنصورِ ومبدئه الظافر"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"ولقد أعلنها - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته في وقتِ الشدةِ لتشَّتَدَّ أنظارُ المؤمنينَ إلى المستقبلِ المحتوم ؛ مهما كان الواقعُ يفرِضُ على الناسِ أقسى الظنون ، فعن البراءِ ابن عازبٍ رضي الله عنه أنه قال"أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفرِ الخندق ، وعرض لنا صخرةٌ في مكانٍ من الخندقِ لا تأخذ فيها المعاوِل ، فشكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثم هبطَ إلى الصخرةِ فأخذَ المِعْوَل فقال: بسمِ الله فَضَرَبَ ضربةً فَكَسَرَ ثُُلُثَ الحجر ، وقال: اللهُ أكبر ! أُعطيتُ مفاتيحَ الشام ، والله إني لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الحُمْرَ من مكاني هذا ، ثم قال: بسم الله ، وضرب أخرى فكُسرت ثُلُثُ الحجر فقال: الله أكبر ! أعطيت مفاتيحَ فارس والله ! إني لأبصر المدائنَ وأبصرُ قَصْرَها الأبيضَ من مكاني هذا ، ثم قال: بسم الله ، وضرب أخرى فقلع بقيةَ الحجر ، فقال: الله أكبر ! أعطيت مفاتيح اليمن ، والله ! إني لأبصرُ أبوابَ صنعاءَ من مكاني هذا"

أيها الأخوة الكرام ..

إن حتميةَ البلاءِ الذي كتبه الله على عبادِه منبعٌ للأمل ، فلا يُدْهَشُ المؤمنُ بنزولِ البلاء ، ولا ينهارُ ولا يُحْبَطُ حينَ يواجِهُ الكروبَ .

إن تقريرَ حتميةِ البلاءِ يجعلُ المؤمنَ متَرَقِّبًا للشدائدِ مستعدًا لها ومدركًا لحِكمتِها ، ومدركًا أنّ مقَدِّرَها هو القادرُ على دفعها"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ"ولذلك كان الصحابةُ رضوانُ الله عليهم يُدركونَ هذا الأمرَ إدراكًا جيدًا ، فهم يبادرونَ في تحليلِ الموقفِ وِفْقَ هذا الاعتبارِ"وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَانًا وَتَسْلِيمًا"ورحم الله ابنَ القيم يوم قال

والحقُ منصورٌ ومُمْتَحَنٌ فلا *** تعجب فهذي سنةُ الرحمن

وأخيرا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت