فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 205

ولئن كنا نؤمن بأنه"لاَ هجرةَ بعد الفَتح" (متفق عليه) كما قال الرسول صلى الله عله وسلم، فإننا يجب أن نؤمن في الوقت نفسه ببقية الحديث، وهو قول الرسول:"ولكن جهاد ونية"، وهذا يعني أن الهجرة بعد مرحلة الهجرة الأولى قد أخذت بُعدًا اصطلاحيًا جديدًا. ففي البُعد الأول كانت الهجرة مرتبطة بمكان هو المدينة، ولكنها بعد ذلك أصبحت مطلقة من المكان، فهي إلى أي مكان شريطة أن يكون"الجهاد والنية"هما الهدفين المغروسين في النفس. فهما -أي الجهاد والنية- قد انفصلا عن قيد وحدة المهجر (المدينة) الذي كان في صدر الدعوة، وأصبحا صالحين في كل العالم يمشيان مع رجال الدعوة والبلاغ، ويضمنان سلامة الأعمال وارتفاعها على المنافع الاقتصادية أو الظروف السياسية.

الهجرة والتكافل الإيماني

وعندما يستقّر هذا المعنى في النفس نستطيع أن نطمئن إلى أن أبطال الدعوة والبلاغ سينشئون في كل مكان يحلّون فيه حديقة جديدة للإيمان، وتاريخًا جديدًا يبدأ كأشعّة الشمس في الصباح، ثم ينساب عبر كل زمان منطلقا إلى مساحة جديدة في الأرض.

وعلى المسلمين إذن -عندما يكونون في أرض المهجر- أن يسارعوا إلى الالتحام ببعضهم، وتكوين مجتمع إيماني يقوم على"المؤاخاة"التي ترتفع فوق الأخوّة، وهي مستوى خاص فوق أخوّة الإيمان التي هي مستوى عام، وأن يتكافلوا مع بعضهم تكافلًا ماديًا ومعنويًا، تحقيقًا لقوله تعالى ?وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? (المائدة:2) وقوله أيضًا ?وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ? (العصر:3) .

والتكافل"المادي"يعني التعاون على ضمان الحد الأدنى المطلوب للحياة لكل أخ مسلم، طعامًا أو شرابًا أو علاجًا أو تعليمًا أو كساءً. والتكافل"المعنوي"هو التعاون على ضمان التزام"الأخوة"في الإسلام بأداء"الفرائض"والبعد عن"المآثم"، وتفعيل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار البيئة التي يعيشون فيها وبالأساليب المناسبة لها. وعليهم أيضًا أن يبنوا"مسجدًا"يضم الرجال والنساء والأطفال، مهما يكن مستواه متواضعًا. فقد حذّرنا الرسول من وجود عدد -مهما يكن قليلًا- من المسلمين لا تقام الجماعة فيهم، كما أن"المسجد"سيكون محور لقاءاتهم وتعارفهم وتكافلهم المادي والمعنوي. ومن المسجد ينطلقون إلى صور من التكامل فيما بينهم تأخذ طابعًا علميًا ومؤسساتيًا يجعل لهم قيمة وتأثيرا وإشعاعًا في مهجرهم الجديد.

لقد أخبرنا الرسول صلى الله عله وسلم أن مما فضل به على بقية الأنبياء أن الأرض جعلت له مسجدًا. وقد حقق المسلمون السابقون العظماء"مسجدية الأرض"في كل الأرض التي هاجروا إليها، فهل يمكننا أن نستأنف المسيرة ونحذوا حذوهم.

فلعل الأرض تتخلص من الغيوم السوداء المتلبّدة وتعود مسجدًا طهورًا. ولعل الله يجري على أيدينا وأيدي المستخلفين من بعدنا نهرًا جديدًا للإيمان، وتاريخًا جديدًا تتعانق فيه راية الوحي مع العلم، والحق مع القوة، ويسود العدل الشامل والرحمة المحمدية العالمية كل الكون... وما ذلك على الله بعزيز!

(1) الاستيعاب لابن عبد البر، 2/597.

(2) سنن البيهقي الكبرى، 9/118.

* أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية - مصر.

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت