فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 205

دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه قائلا: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشد» (1) وعن أنس - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قدم من سفر، فأبصر إلى درجات المدينة (2) ، أَوْضَع ناقته (3) وإن كان على دابة حركها» قال أبو عبد الله: زاد الحارث بن عمير عن حميد «حركها من حبها» (4) .

2-دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لها بضعفي ما في مكة من البركة:

فعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» (5) ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «كان الناس إذا رأوا أول أثمر جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه» قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر (6) .

3-عصمتها من الدجال والطاعون ببركته صلى الله عليه وسلم:

إن الله تعالى قيض لها ملائكة يحرسونها، فلا يستطيع الدجال إليها سبيلًا، بل يلقى إليه بإخوانه من الكفار والمنافقين، كما أن من لوازم دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصحة ورفع الوباء ألا ينزل بها الطاعون، كما أخبر بذلك المعصوم (7) صلى الله عليه وسلم.

4-فضيلة الصبر على شدتها:

فقد وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من صبر على شدة المدينة وضيق عيشها بالشفاعة يوم القيامة (8) فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها (9) وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (10) .

5-فضيلة الموت فيها:

فعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها» (11) ، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يدعو بهذا الدعاء: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم) (12) .

وقد استجاب الله للفاروق - رضي الله عنه - فاستشهد في محراب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر.

6-هي كهف الإيمان وتنفي الخبث عنها:

فالإيمان يلجأ إليها مهما ضاقت به البلاد، والأخباث والأشرار لا مقام لهم فيها

ولا استقرار، ولا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرًا منه من المؤمنين الصادقين (13) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ليأرِز (14) إلى المدينة كما تأرِز الحية إلى جحرها» (15) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «... والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبث لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» (16) .

7-تنفي الذنوب والأوزار:

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها -أي المدينة- طيبة تنفي الذنوب (17) كما تنفي النار خبث الفضة» (18) .

8-حفظ الله إياها ممن يريدها بسوء:

(2) وفي رواية: «جدارات» : جمع جدار وهو الحائط، ودرجات: أي الطرق المرتفعة. ...

(3) أوضع ناقته: حثها على السرعة.

(4) البخاري، كتاب العمرة، باب من أسرع ناقته (3/630) رقم 1802).

(5) البخاري، كتاب فضائل المدينة (4/97) رقم 1885. ...

(6) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة (2/1000) .

(7) انظر: الهجرة النبوية المباركة، 158.

(8) المصدر السابق، ص160. ... (3) اللأواء: الشدة وضيق العيش.

(10) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة (2/992) رقم 1363.

(11) أخرجه أحمد (2/74، 104) بإسناد صحيح وصححه ابن حبان رقم 3741.

(12) البخاري، كتاب فضائل المدينة (4/100) رقم 1890.

(13) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص161.

(14) يأرز: ينضم ويجتمع، انظر: فتح الباري (4/93) .

(15) البخاري، كتاب فضائل المدينة (4/93) رقم 1876.

(16) مسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها (2/1005) رقم 1381.

(17) في رواية (تنفي الخبث) وفي رواية (تنفي الرجال) .

(18) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد (7/356) رقم 4050.

فقد تكفل الله بحفظها من كل قاصد إياها بسوء، وتوعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحدث فيها حدثًا، أو آوى فيها محدثًا، أو أخاف أهلها، بلعنة الله وعذابه، وبالهلاك العاجل (1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع (2) كما ينماع الملح في الماء» (3) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «المدينة حرم الله، فمن أحدث فيها حدثًا (4) أو آوى محدثًا (5) فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة عدلٌ، ولا صرفٌ» (6) .

9-تحريمها:

فقد حرمها النبي - صلى الله عليه وسلم - بوحي من الله فلا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح، ولا يروع فيها أحد، ولا يقطع فيها شجر، ولا تحل لُقَطَتها إلا لمنشد، وغير ذلك ما يدخل في تحريمها قال صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، حرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة» (7) .

وقال صلى الله عليه وسلم: «هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها» (8) يعني المدينة، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يختلي خلاها (9) ولا ينفر صيدها (10) ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها (11) ولا تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيرة ولا تحمل فيها السلاح لقتال» (12) .

إن هذه الفضائل العظيمة جعلت الصحابة يتعلقون بها، ويحرصون على الهجرة إليها، والمقام فيها، وبذلك تجمعت طاقات الأمة فيها، ثم توجهت نحو القضاء على الشرك بأنواعه، والكفر بأشكاله، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها.

الفصل السادس -هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه الصديق رضي الله عنه

المبحث الأول -فشل خطة المشركين والترتيب النبوي الرفيع للهجرة

أولًا: فشل خطة المشركين لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم:

بعد أن منيت قريش بالفشل في منع الصحابة -رضي الله عنهم- من الهجرة إلى المدينة، على الرغم من أساليبهم الشنيعة والقبيحة، فقد أدركت قريش خطورة الموقف، وخافوا على مصالحهم الاقتصادية، وكيانهم الاجتماعي القائم بين قبائل العرب؛ لذلك اجتمعت قيادة قريش في دار الندوة للتشاور في أمر القضاء على قائد الدعوة، وقد تحدث ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [الأنفال:30] فقال: فتشاورت قريش بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثائق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: أن أخرجوه، فاطلع الله نبيه على ذلك فبات عليٌّ على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة (13) ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوا عليًّا رد الله كيدهم، فقالوا أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم الأمر، فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن ينسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثًا (14) .

قال سيد قطب في تفسيره للآيات التي تتحدث عن مكر المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم: «إنه التذكير بما كان في مكة، قبل تغير الحال، وتبدل الموقف، وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل، كما ينبه إلى تدبير قدر الله وحكمته، فيما يقضي به ويأمر: ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأى وذاق، وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب، وما كان فيه من خوف وقلق، في مواجهة الحاضر الواقع وما فيه من أمن وطمأنينة، وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم، لا مجرد النجاة منهم.

(1) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص162. ... ... (5) انماع: ذاب وسال.

(3) البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب إثم من كاد أهل المدينة، (4/94) رقم 1877.

(4) الحدث: الإثم أو الأمر المنكر الذي ليس بمعروف في السنة.

(5) المحدث: أي من أتي الحدث.

(6) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة (2/999) رقم 1371.

(7) البخاري، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي ومده (4/346) .

(8) البخاري، كتاب المغازي، باب أحد جبل يحبنا ونحبه (7/337) رقم 484.

(9) لا يختلي خلاها: لا يجز ولا يقطع الحشيش الرطب فيها.

(10) لا ينفر صيدها: لا يزجر ويمنع من الرعي.

(11) أشار بها، والمراد تعريف اللقطة.

(12) أخرجه أحمد (1/119) .

(13) انظر: السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحماية، ص 135.

(14) انظر: البداية والنهاية (3/181) ، وابن حجر في الفتح وحسن إسناده، فتح الباري (7/236) .

لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحبسوه حتى يموت، أو ليقتلوه ويتخلصوا منه، أو ليخرجوه من مكة منفيًّا مطرودًا، ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله، على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعًا، ليتفرق دمه في القبائل، ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) .

إنها صورة ساخرة وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة، فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل من تلك القدرة القادرة، قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط (1) .

ثانيًا: الترتيب النبوي للهجرة:

عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان لا يخطئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة (2) ، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الساعة إلا لأمر حدث.

قالت: فلما دخل، تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخرج عني من عندك» فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك، فداك أبي وأمي! فقال: «إنه قد أذن لي في الخروج والهجرة» قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: «الصحبة» قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أريقط رجلًا من بني الديل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركًا يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاها لميعادهما (3) .

قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهم سفرة في جراب، فقطمت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا (4) فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام، شاب، ثقف (5) لقن (6) ، فيدلج (7) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يَكتادان (8) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك، حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولي أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليها حين تذهب ساعة من العشاء فيبتان في رِسَل- وهو لبن منحتهما ورضيفهما (9) - حتى ينعق (10) بها عامر بن فهيرة بغلس (11) يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا- والخريت الماهر- بالهداية قد غمس حلفًا (12) في آل العاص ابن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر به فهيرة، والدليل فأخذ بهم طريق السواحل» (13) .

ثالثًا: خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووصوله إلى الغار:

لم يعلم بخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر.

(1) انظر: في ظلال القرآن (3/1501) .

(2) الهاجرة: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو إلى العصر.

(3) انظر: السيرة النبوية لابن كثير (2/233، 234) .

(4) كمنا فيه: أي استترا واستخفيا ومنه الكمين في الحربة، النهاية (4/201) .

(5) ثَقِفْ: ذو فطنة وذكاء والمراد ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، النهاية (1/216) .

(6) لقن: فهم حسن التلقي لما يسمعه، النهاية (4/266) .

(7) يدلج: أدلج إذا سار أول الليل وادّلج بالتشديد إذا سار آخره.

(8) يُكتادان: أي يطلب لهما فيه المكروه وهو من الكيد.

(9) الرضيف: اللبن المرضوف، وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب وَخَمُه.

(10) ينعق: نعق بغنمه، أي صاح بها وزجرها، القاموس المحيط (3/295) .

(11) الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح، النهاية (3/377) .

(12) غمس حلفًا: أي أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم يأمن به.

(13) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي رقم 3905.

أما علي فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يتخلف، حتى يؤدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الودائع، التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته (1) وكان الميعاد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله عنه - فخرجا من خوخة (2) لأبي بكر في ظهر بيته، وذلك للإمعان في الاستخفاء حتى لا تتبعهما قريش، وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الليل على أن يلقاهما عبد الله بن أريقط في غار ثور بعد ثلاث ليال (3) .

رابعًا: رِقة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند خروجه من مكة:

وقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند خروجه بالحزورة في سوق مكة، وقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (4) .

ثم انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه من بطش المشركين، وصرفهم عنهما.

روى الإمام أحمد عن ابن عباس: (أن المشركين اقتفوا الأثر حتى إذا بلغوا الجبل جبل ثور اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه) (5) وهذه من جنود الله عز وجل التي يخذل بها الباطل، وينصر به الحق؛ لأنه جنود الله جلت قدرته أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإن خطرها لا يتثمل في ضخامتها فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب، قال تعالى: ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) [المدثر: 31] . أي وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فجنود الله غير متناهية؛ لأن مقدوراته غير متناهية (6) كما أنه لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والوقوف على حقائقها وصفاتها ولو إجمالا فضلا عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها من كم وكيف ونسبة (7) .

خامسًا: عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لرسوله صلى الله عليه وسلم:

بالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يرتكن إليها مطلقًا وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها (8) قال تعالى: ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ) [الإسراء: 80] .

وفي هذه الآية الكريمة دعاء يعلمه الله لنبيه ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه؟ دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها وما بين الأول والآخر، وللصدق هنا قيمته، بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفتري على الله غيره. وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص ( وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ) قوة وهيبة أستعلي بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين، وكلمة ( مِن لَّدُنْكَ ) تصور القرب والاتصال بالله، والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حماه.

وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يُهاب إلا بسلطان الله، ولا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه، ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله، والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان، والجاه، فيصبحون لها جندًا وخدمًا فيفلحون، ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه (9) .

وعندما أحاط المشركون بالغار، وأصبح منهم رأي العين طمأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصديق بمعية الله لهما؛ فعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ (10) » .

وفي رواية: «اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما» .

وسجل الحق عز وجل ذلك في قوله تعالى: ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ

الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ

(1) السيرة النبوية لابن كثير (2/234) ... (11) الهجرة في القرآن الكريم، ص334.

(3) خاتم النبيين لأبي زهرة (1/659) السيرة النبوية لابن كثير (2/234) .

(4) الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل مكة (5/722) .

(5) مسند الإمام أحمد (1/348) . ... (3) انظر: تفسير الرازي (30/208) .

(6) انظر: تفسير أبي مسعود (9/60) .

(8) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص72. ...

(9) انظر: في ظلال القرآن (4/2247) .

(10) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين، رقم 3653.

سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [التوبة: 40] .

سادسًا: خيمة أم معبد في طريق الهجرة:

وبعد ثلاث ليالٍ من دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغار، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه من الغار، وقد هدأ الطلب ويئس المشركون من الوصول إلى رسول الله، وقد قلنا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر قد استأجرا رجلًا من بني الديل يسمى عبد الله بن أريقط وكان مشركًا، وقد أمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، وقد جاءهما فعلا في الموعد المحدد وسلك بهما طريقًا غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار قريش (1) ، وفي الطريق إلى المدينة مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم معبد (2) في قديد (3) حيث مساكن خزاعة، وهي أخت خنيس بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها، وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير، وقال عنها ابن كثير: «وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا» (4) ، فعن خالد بن خنيس الخزاعي - رضي الله عنه - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خرج من مكة، وخرج منها مهاجرًا إلى المدينة، هو وأبو بكر - رضي الله عنه - ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة - رضي الله عنه - ودليلهما الليثي عبد الله بن الأريقط، مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة (5) جلدة (6) تحتبي (7) بفناء القبة ثم تسقي وتطعم، فسألوهما لحمًا وتمرًا، ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مُرْمِلين (8) مسنتين (9) فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة في كسر الخيمة (10) فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت: خلفها الجهد عن الغنم، قال: «فهل بها من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين أن أحلبها؟» قالت: بلى بأبي أنت وأمي، نعم، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.

فدعا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح بيده ضرعها، وسمى الله عز وجل، ودعا لها في شاتها، فتفاجت (11) عليه، ودرت (12) واجترت (13) ودعا بإناء يُرْبِض (14) الرهط، فحلب فيها ثجا (15) حتى علاه البهاء (16) ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم - صلى الله عليه وسلم - ثم أراضوا (17) ، ثم حلب فيها ثانيًا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحلوا عنها.

فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافًا (18) يتساوكن هُزلا (19) ضحى، مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاة عازب حيال (20) ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة (21) ، أبلج الوجه (22) ،

حسن الخلق، لم تعبه نحلة (23) ولا تزر به صعلة (24) وسيم (25) ، في عينيه دعج (26)

(1) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/101) . ... (4) هي عاتكة بنت كعب الخزاعية.

(3) وادي قديد: يبعد عن الطريق المعبدة حوالي ثمانين ميلًا.

(4) البداية والنهاية (3/188) .

(5) برزة: كهلة كبيرة السن، لا تحتجب احتجاب الشواب.

(6) جلدة: قوية صلبة وقيل عاقلة.

(7) تحتبي: أي تجلس وتضم يديها إحداهما إلى الأخرى، على ركبتيها، وتلك جلسة الأعراب.

(8) مرملين: نفذ زادهم.

(9) مسنتين: أي داخلين في أسَنَة وهي الجدب والمجاعة والقحط.

(10) كسر الخيمة: بفتح الكاف وكسرها، وسكون المهملة: أي جانبها.

(11) تفاجت: فتحت ما بين رجليها للحلب. ... (8) درت: أرسلت اللبن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت