من خلال ماسبق يتبين أن أسس المدينة النبوية قامت على أبعاد متعددة، وراعت كل الاعتبارات المتصلة بحياة الإنسان العامة والخاصة الكفيلة بتوفير الظروف المناسبة له ليمارس رسالته وينهض بالمسؤولية المنوطة به من قبل الله تعالى في عمارة الأرض ونمائها، والانطلاق في أرجائها لإشاعة قيم ومعاني الخير والحق والعدل والسلام، وليساهم في تشييد صرح الحضارة الإنسانية•
وإذا كانت مجموعة من المدن والحواضر على امتداد العالم ترزح، في ظل العولمة المعاصرة تحت وطأة أزمات حادة تجد تجلياتها في تفاقم الفوارق الاجتماعية وفي استفحال معضلة البطالة والتهميش وفي أزمة تلوث البيئة وفي تدهور الجانب الأمني••• فإن وضعيتها هذه ليست إلا ترجمة لفقدان المدينة لمجموعمة من وظائفها (الاجتماعية•• التربوية••) مما أدى إلى اختلال التوازن بين عناصرها نجمت عنه هذه الأزمات القاتلة التي تعاني منها اليوم•
الهوامش والمراجع
1-د• أسامة عبدالمجيد عبدالعاني: >رؤية اقتصادية لأول وثيقة سنها الرسول[ في الإسلام< مجلة الإسلام اليوم (إسيسكو) العدد 13-1416هـ 1995/• ص: 20
2-نستثني هنا طبعا الاعتبارات المباشرة والمعروفة والمتمثلة بالخصوص في ترحيب أهل المدينة بالرسول [ وأصحابه بعد بيعتهم له (بيعة العقبة الأولى والثانية) •
3-د• إبراهيم بيضون: الحجاز والدولة الإسلامية: دراسة في إشكالية العلاقة مع السلطة المركزية في القرن الأول الهجري• المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع 1403هـ 1983/م الطبعة الأولى، ص: 124 •
4-محسن خليل: في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي• دار الرشيد للنشر• (1982) ص38
5-العمري، أكرم ضياء: المجتمع المدني في عهد النوة: خصائصه وتنظيماته الأولى• الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1983، أورده د• أسامة عبدالمجيد مرجع سابق ص، 18
6-محسن خليل: مرجع سابق ص: 48
7-د• إبراهيم بيضون: الحجاز والدولة الإسلامية، مرجع سابق ص: 104
8-مكان مخصص لتجفيف التمر
9-د• سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة دار الفكر الطبعة الثامنة (1980/1400) ص194
10-منير الغضبان، المنهج الحركي للسيرة النبوية: دار الآمان الطبعة الثالثة (1987) ص: 216 •
11-محمد عبدالستار عثمان: المدينة الإسلامية• سلسلة عالم المعرفة (127) (1988/1408) ص:58 •
12-أسامة بن زيد عن معاذ بن عبداللّه بن خبيب عن جابربن أسامة الجهني عن عبدالحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية• ص76 •
13-محمد عبدالستار عثمان: المدينة الإسلامية، مرجع سابق ص54
14-محمد عبدالستار عثمان: المدينة الإسلامية مرجع سابق ص 54
15-جميل عبدالقادر أكبر: عمارة الأرض في الإسلام: مقارنة الشريعة بأنشطة العمران الوضعية، مؤسسة الرسالة الطبعة الثالثة (1998/1419) ص182
16-د• أسامة عبدالمجيد عبدالعاني: >رؤية اقتصاديةالمدينة في الحضارة العربية الإسلامية< مجلة الحوار عدد 7 السنة الثانية (1987) ص: 105 •
26-محمود شاكر: التاريخ الإسلامي• المكتب الإسلامي• الطبعة السابعة (1411هـ) ج2/1 ص: 161 •
27-محمود شاكر: المرجع السابق: ص164 •
الهجرة النبوية ومنعطف التاريخ
(الشبكة الإسلامية) أ.د/ أكرم ضياء العمري ( خاص للشبكة )
تطلق"الهجرة"على الترك والتخلي عن الشيء , فالمهاجر من هجر ما نهى الله عنه - كما في الحديث الشريف - ، وهي بهذا المعنى مطلقة من قيود الزمان والمكان ، إذ بوسع كل مسلم أن يكون مهاجرًا بالالتزام بأوامر الله والهجر للمعاصي .
لكن الهجرة النبوية تتعلق بترك الموطن والانخلاع عن المكان بالتحول عنه الى موطن آخر ابتغاء مرضاة الله رغم شدة تعلق الانسان بموطنه وألفته للبيئة الطبيعية والاجتماعية فيه ، وقد عبّر المهاجرون عن الحنين الى مكة بقوة وخاصة في أيامهم الأولى حيث تشتد لوعتهم .
وتحتاج الهجرة الى القدرة على التكيف مع الوسط الجديد"المدينة المنورة"حيث يختلف مناخها عن مناخ مكة فأصيب بعض المهاجرين بالحمى ، كما يختلف اقتصادها الزراعي عن اقتصاد مكة التجاري ، فضلًا عن ترك المهاجرين لأموالهم ومساكنهم بمكة . لكن الاستجابة للهجرة كانت أمرًا إلهيًا لابد من طاعته ، واحتمال المشاق من أجل تنفيذه . فقد اختار الله مكان الهجرة ، كما في الحديث الشريف"رأيت في المنام أني أهاجر من مكة الى أرض بها نخل ، فذهب وهلي الى أنها اليمامة أو هجر , فاذا هي المدينة يثرب".
وما أن بدأ التنفيذ حتى مضت مواكب المهاجرين تترى نحو الموطن الجديد .. دار الهجرة .. وقد شاركت المرأة في حدث الهجرة المبارك منهن أم سلمة هند بنت أبي أمية التي تعرضت لأذى بالغ من المشركين الذين أرادوا منعها من الهجرة ثم استلوا ابنها الرضيع منها حتى خلعوا يده ..
لكنها صممت على الهجرة ونجحت في ذلك رغم الاخطار والمصاعب . وخلدت أسماء بنت أبي بكر ذكرها في التأريخ وحازت لقب ذات النطاقين عندما شقت نطاقها نصفين لتشد طعام المهاجرَين ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و أبي بكر رضي الله عنه وقد تتابعت هجرة النساء في الاسلام حتى شرعت في القرآن { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} - الممتحنة 10 - ونزلت الآيات الكريمة تأمر بالهجرة وتوضح فضلها منذ السنة التي وقعت فيها لغاية سنة 8هـ عند أوقفت الهجرة بعد فتح مكة واعلان النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله ( لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة وإذا استنفرتم فانفروا ) .
والأمر بالهجرة الى المدينة لأنها صارت مأرز الايمان وموطن الاسلام ، وشرع فيها الجهاد لمواجهة الاعداء المتربصين بها من قريش واليهود والأعراب ، فكان لابد من إمدادها بالطاقة البشرية الكافية مما يفسر سبب نزول القرآن بهذه الآيات الواعدة للمهاجرين: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله} - البقرة 218 - {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة} - النحل 41 - {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة} - النساء 100 - .
وقد حاز المهاجرون شرفًا عظيمًا في الدنيا فضلًا عن ثواب الله ووعده الكريم ، فقد اعتبروا اهل السبق في تأسيس دولة الاسلام فنالوا رضى الله والقربى منه {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم } - التوبة 100 - . وهكذا خلد الله ذكرهم في القرآن الذي يتعبد المسلمون بتلاوته الى آخر الزمان .
الهجرة من سنن الأنبياء عليهم السلام
لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول نبي يهاجر في سبيل الله بل مرّ بهذا الامتحان كثير من الانبياء .. وقد أخبرنا الله تعالى بأن ابراهيم عليه السلام هاجر من موطنه الى مصر وغيرها داعيًا الى التوحيد ، وأن يعقوب و يوسف عليهما السلام هاجرا من فلسطين الى مصر وأن لوطًا هجر قريته لفسادها وعدم استجابتها لدعوته . وأن موسى عليه السلام هاجر بقومه من مصر الى سيناء فرارًا بدينه من طغيان فرعون .
وهكذا فان الهجرة من سنن النبيين ، وقد كانت هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام خاتمة لهجرات النبيين . وكانت نتائجها عميقة شكلت منعطفًا تاريخيًا حاسمًا .
المنعطف الحاسم
لقد أدت الهجرة الى قيام دولة الاسلام في المدينة ، والتي أرست ركائز المجتمع الاسلامي على أساس من الوحدة والمحبة والتكافل والتآخي والحرية والمساواة وضمان الحقوق ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو رئيس هذه الدولة وقائد جيوشها وكبير قضاتها ومعلمها الأول . وقد طبق الرسول - صلى الله عليه وسلم - شريعة الاسلام ، وكان القرآن ينزل بها منجمًا ، فكان الصحابة يدرسون ما ينزل ويطبقونه على أنفسهم ، ويتعلمون تفسيره وبيانه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فتكون جيل رباني تمكن من الجمع بين عبادة الله وعمران الحياة وعمل تحت شعار: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .
وفي خلال عقد واحد توحد معظم الجزيرة العربية في ظل الإسلام ، ثم انتشر في خلال عقود قليلة تالية ليعم منطقة واسعة امتدت من السند شرقًا الى المحيط الأطلسي غربًا حيث آمن الناس بالاسلام ، واستظلوا بشريعته العادلة واقاموا حضارة زاهرة آتت أكلها قرونًا طويلة في حقول التشريع والتربية وعلوم الكون والطبيعة.
الهجرة النبوية.. عطاء بلا حدود وعزيمة لا تعرف اليأس
تمهيد
ونحن نستقبل عامًا هجريًا جديدًا تطالعنا الآمال في نهوض الأمة الإسلامية من كبوتها وعثراتها لتقوي علي التصدي للتحديات والأزمات التي تواجهها وما أكثرها في عالم اليوم المليء بالصراعات.
ولقد ضرب صحابة المصطفي صلي الله عليه وسلم الذين هاجروا معه أروع المثل في صنع تاريخ الأمة وكيانها ومكانتها من خلال عطائهم بلا حدود وشجاعتهم وصمودهم بعزيمة لاتلين ولاتعرف اليأس.. فواجهوا بكل ثبات وقوة كل التحديات وانتصروا عليها.. وحققوا بطولات رائعة سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور.. فهل تستفيد الأمة الإسلامية من بطولات هؤلاء الرجال ومن دروس هؤلاء العظماء!!
الهجرة الآن ليست مجرد نقله من مكان إلي مكان.. لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية".. والهجرة المطلوبة الآن.. هي نقلة بالنفس الإنسانية من طبيعة النفس الأمَّارة بالسوء إلي مرتبة النفس اللوَّامة التي تفتش في مسيرة حياتها لتتجنب عوامل الضعف وأسباب الانحراف حتي ترقي إلي مرتبة النفس المطمئنة التي تنادي من قبل الحق تبارك وتعالي"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي".
المنهج الإلهي
أضاف أن الهجرة علي المستوي الاجتماعي اليوم تعني النقلة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلي آفاق المنهج الالهي الذي أنزل الله عز وجل ليقوم الناس بالقسط وكلا النوعين النقلة النفسية والنقلة الاجتماعية هي التطبيق العملي لقول الله تبارك وتعالي"ففروا إلي الله إني لكم منه نذير مبين".
أوضح أن الفرار إلي الله عز وجل لايكون إلا بنصرة دينه والالتزام بمنهجه والدفاع عن الحق وصون المقدسات وحماية كرامة الإنسان.. ومن هنا كان الجهاد فريضة إسلامية ماضية إلي يوم القيامة لردع المعتدين ورد الظالمين وتحطيم هيمنة الاستكبار الشيطاني علي البشر.. وإن هذه هي رسالتنا في عالم اليوم ونحن نستشرف العام الهجري الجديد.
الصحوة الإسلامية
تأتي ذكري الهجرة هذا العام. في وقت ساءت فيه أوضاع الأمة إلي درجة لم يسبق لها مثيل في تاريخها الطويل. هذا علي المستوي الرسمي. أما علي المستوي الشعبي. أو السواد الأعظم في حياة الشعوب الإسلامية وتبوأ الإسلام سمعة مدوية تحطم كل السدود والقيود والعقبات الموضوعة في طريق الدعوة ففيها عزاء جميل. ونهضة مبشرة بانتصار عزيز.. فالصحوة الإسلامية المعاصرة آخذة في النمو. وبخاصة في أروقة الشباب المتطلع إلي فجر جديد. يكتسح كل الظلمات. وهي أملنا الوحيد في انقاذ الأمة من الهاوية التي جرها فيها أعداؤها بعد أن أحكموا قبضتهم عليها بعوامل التخويف أو التزييف. فأفقدوا أمراءها الإرادة ووضعوا في أعناقهم القلادة. لا ليتزينوا بها. ولكن ليسهل علي الأعداء خنقهم في أية لحظة أرادوا.
أضاف أن هجرة الرسول وصحبه من مكة إلي المدينة تذكرنا بأن تحقيق النصر لابد فيه من الأخذ بالأسباب التي وضعها الله في أيدي البشر. ومحال أن يهب الله نصرًا لخامل أو كسول أو جبان. لم ينفض غبار الذل والهوان والضعف عن نفسه. ولم يخط خطوة واحدة نحو كسب المعالي والذود عن العزة والكرامة بإعداد القوة للأعداء. والتدريب الجيد ماديًا ومعنويًا وهو المشار إليه من قوله تعالي:
"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. وآخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم".
أن الإعداد المادي يكون بإعداد السلاح المناسب لردع كل عدوان. والقدرة الماهرة علي استعماله والإعداد المعنوي يكون بقوة الإيمان. وإخلاص العمل لله. وإيثار الآخرة الباقية. علي الدنيا الفانية ثم يأتي بعد ذلك نصر الله مكافأة لمستحقي النصر"وكان حقًا علينا نصر المؤمنين"ينصر الله المؤمنين الذين أخذوا بالأسباب. علي النحو الذي تقدم وإن اجتمعت عليهم الدنيا بأقطارها ومهما قل المؤمنون ومهما كثر خصومهم. فالله وحده هو الغالب علي أمره:"إن ينصركم الله فلا غالب لكم""إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
أشار إلي أن هذا ما صنعته الأمة في أول عهدها بقيادة رسولها الكريم. من الهجرة. وفي غير الهجرة. فتساقطت أمامها عروش. وهوت تحت أقدامها التيجان كما تتساقط وتتهاوي حبات العقد النظيم إذا انفرط نظامها.
الأخذ بالأسباب
قال إنه في الهجرة ضرب الرسول وأصحابه أروع الأمثال في الأخذ بالأسباب. والتضحية بكل غال ونفيس فمكنهم الله في الأرض. ورد عنهم كيد أعدائهم فأقاموا دولة شامخة في الأرض أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. والأمة في هذا العصر لن تفك أسرها من أيدي أعدائها إلا بالسير علي الدروب التي ساروا فيها بأن توحد صفها وتجمع أمرها علي قلب رجل واحد وتمحو عوامل التفرق التي فرقتها وشتتتها وهونتها علي أعدائهم.. تأخذ جادة بالأسباب في فقه الدنيا وطرق استثمار الطاقات. وفي فقه الدين. فتقيمه وتعمل به. كما أراد الله.. لا كما أراد منهم أعداء الله المعاصرون.
وأن يكون ولاؤها الخالص لله تبغي رضاه. وتخشي سخطه. رغم أنف أعداء الله مهما كانت مواقعهم. فهم أمام الله إذا أصلحنا علاقاتنا به تراب فوق التراب.
أشار إلي أنه لابد. وبكل حزم وعزم. من إحلال وتجديد في حياتنا. فقد جدَّ الأمر وأحدقت بها الأخطار. ولابد لنا من تغيير ما بأنفسنا نحو الصلاح والاصلاح. حتي يغير الله مابنا من ضعف وهوان.. ليستخلفنا الله في الأرض كما استخلف الذين من قبلنا.. وليمكننَّ الله لنا ديننا الذي ارتضاه لنا.
وليبدلننَّا من بعد خوفنا آمنًا.
حركة ونهوض
الهجرة انطلاق لبناء أمة وتكوين مجتمع وتشكيل حضارة وصياغة قيم وإعداد أجيال وإنارة طريق وتخطيط لمستقبل وإنجاز لإيجاد مباديء ومثل.. كل هذا وذاك يجعلنا في مقدمة الصف مواجهين تحديات كثيرة متعددة ومتنوعة لأن الهجرة حركة ونهوض ويقظة وصحوة ولأن الهجرة لم تأت خبط عشوائي ولم تكن مجرد مصادفة.. بل من أول يوم من أيام الوحي كان للهجرة وجود كبير وأثر عظيم.
أضاف أن ذلك الأثر صنع للأمة تاريخها وكيانها ومكانها ومكانتها من خلال صحابة رسول الله الذين شرف بهم الزمن.. قوة وسخاء كرمًا وبذلًا وعطاء..
أوضح أن الهجرة علمتنا كيف نواجه التحديات بثبات ونحن كالجبال الشمم العالية والرواسي الشامخات.. والهجرة دواء قوي يعالج أدواء المجتمع من فرقة وتمزق وضعف وفقر ومرض وجهل وأمية ثقافية تستشري في المجتمع.. وهي أيضًا باب فسيح ونافذة مستنيرة من أجل أن تكون لنا ثقافة واعية ووعي ثقافي.. قال: إنه مما لاشك فيه أن الهجرة واجهت تحديات حولت العالم من جمود إلي حركة ومن فوضي إلي نظام ومن مهانة حيوانية إلي كرامة إنسانية.. نعم أيها إنسانية الكرامة وحركة العالم الذي هو مليء بالأحقاد والكراهية وسفك الدماء والصراعات اللامتناهية والدمار والأطماع البشرية.. هذه تحديات لابد وأن نقف أمامها بقوة وشجاعة وصلابة رأي في غير تطرف أو عصبية أو دمار لمن حولنا.
أوضح أن الهجرة دروس وعبر وقيم ومباديء ومثل.
* جريدة المساء
الهجرة النبوية
الهجرة النبوية
الحمدُ لله وكفى، وسلامٌ على عبادِهِ الذينَ اصطفى، الحمدُ لله الواحدِ الأحد الفرْدِ الصمد الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يتخذْ صاحبةً ولا ولدًا.
أحمدُهُ وأستعينهُ وأستهديهِ وأشكرهُ له المنَّةُ ولهُ الفضلُ ولهُ الثناءُ الحَسَنُ، لكَ الحمدُ ربَّنا على ما أنعمْتَ علينا، الحمدُ للَّه الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتديَ لولا أنْ هدانا الله.
والصلاةُ والسلامُ على سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرَّةِ أعيننا محمَّد، بعثَهُ الله رحمةً للعالمين مبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنهِ وسراجًا وهَّاجًا وقمرًا منيرًا، فهدَى الله بهِ الأمَّةَ وكشَفَ بهِ عنها الغُمَّة فجزاهُ الله عنا خيرَ ما جزى نبيًّا من أنبيائهِ.
وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله الملكُ الحقُّ المبين، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا رسولُ الله الصادقُ الوعدِ الأمين، صلواتُ ربي وسلامهُ عليهِ وعلى ءالهِ وصحبهِ الطيبين الطاهرين.
أما بعدُ أيها الأحبةُ المسلمون:
فإني أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العظيم، والسيرِ على خُطى رسولِهِ الكريم، يقولُ الله تَبَارَكَ وتعالى في القرءانِ الكريم: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا{ [سورة التوبة] .
إخوةَ الإيمان:
لَمَّا بُعِثَ رسولُ الله أي نزَلَ عليهِ الوحيُ أُمِرَ بالتبليغِ والإنذارِ بلا قتالٍ، وكانَ يدعو إلى الله جهرًا ويمرُّ بينَ العربِ المشركينَ حينَ كانوا يجتمعونَ في الموسمِ من نَوَاحٍ شتَّى ويقولُ:"أيُّها الناسُ قولوا لا إلهَ إلا الله تُفلِحوا". ودعا النبيُّ إلى العدْلِ والإحسانِ ومكارمِ الأخلاقِ ونهى عنِ المنكر والبغي فآمَنَ بهِ بعضُ الناسِ كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍ وبلالٍ وغيرِهم، وبقيَ على الكفرِ أكثرُ الناسِ، وصاروا يُؤذونَهُ وأصحابَهُ، فلمَّا اشتدَّ عليهمُ الأذى هاجرَ بعضُ أصحابِ النبيّ إلى الحبشةِ وكانوا نحوَ الثمانينَ، منهُم عثمانُ بنُ عفَّانَ وجعفرُ بنُ أبي طالبٍ، وكانَ رسولُ الله لقِيَ في الموسمِ نَفَرًا من أهلِ يثربَ من الخزرجِ فدعاهم إلى الإسلامِ فأسلموا، ثمَّ ازدادَ عددُهم في العامِ التالي فلمَّا انصرَفوا بعثَ معَهُم رسولُ الله ابنَ أمّ مكتومٍ ومُصعبَ بنَ عُمَيرٍ يُعلّمانِ الناسَ منْ أسلَمَ منهم القرءانَ، ويدعوانِ من لم يُسْلِمْ إلى الإسلامِ.
فلمَّا كثُرَ أنصارُ رسولِ الله بيثربَ أمر الله المسلمينَ بالهجرةِ إليها فخرجوا أَرْسالا، ثمَّ هاجرَ النبيُّ من مكةَ مَحَلِ ولادتهِ التي كانتْ أحَبَّ بلادِ الله إليهِ يتحمَّلُ المشاقَّ في سفرِهِ مَعَ أبي بكرٍ بعدَ أنْ أقامَ في مكةَ منذُ البِعثةِ ثلاثَ عَشْرةَ سنةً يدعو إلى التوحيدِ ونبذِ الشِرْكِ.
إخوةَ الإسلام:
لم تكن هجرةُ الرسولِ هرَبًا من المشركينَ ولا يأسًا من واقعِ الحالِ، ولم تكُنْ هجرتُهُ حُبًّا في الشُّهرةِ والجاهِ والسُّلطانِ، فقد ذهبَ إليهِ أشرافُ مكةَ وسادَاتُها وقالوا له:"إنْ كنتَ تريدُ بما جئتَ بهِ مالا جمعنا لكَ من أموالنا حتى تكونَ أكثرَنا مالا، وإنْ كنتَ تريدُ مُلكًا مَلَّكْناكَ إيَّاهُ".
ولكنَّ النبيَّ العظيمَ أسمى وأشرفُ من أنْ يكونَ مقصودَهُ الدنيا والجاهُ والسلطانُ.
ولم تكُنْ هجرتُهُ التماسًا للهدوءِ وطلَبًا للراحةِ، فهو يعلَمُ يقينًا أنها دعوةُ حقٍّ ورسالةُ هدى لا بُدَّ أنْ يُؤَديهَا كما أمرهُ الله؛ وهو لهذا يقولُ لعمِّهِ أبي طالبٍ حينَ أتاهُ يطلبُ منهُ الكفَّ عن التعرُّضِ لقومِهِ وما يعبُدونَ:
"والله يا عمُّ لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أنْ أتركَ هذا الأمرَ ما تركتُهُ حتى يُظهرَهُ الله سبحانَهُ وتعالى أو أَهلِكَ دونَهُ".
يا أحبابَ الحبيبِ:
لقد كانَ لهجرةِ الفاروقِ الذي فرَّقَ بينَ الحقِّ والباطلِ قِصَّةٌ شأنُها شأنُ كلّ قِصصهِ وأخبارهِ العَظيمةِ التي تدلُّ على حبّهِ لدينِ الله، واستبسالِهِ في سبيلِ الله، واستعدادهِ للموتِ في سبيلِ نُصْرةِ الحقّ. ذلكَ أنَّهُ عندما جاءَ دورُ سيدِنا عمَرَ بنِ الخطابِ قبلَ هجرةِ الرسولِ بسبعةِ أيامٍ، خرجَ مُهاجرًا وخَرجَ معهُ أربعونَ من المستضعفينَ جَمَعَهُم عمَرُ في وضْحِ النهارِ وامتشَقَ سيفَهُ وجاءَ دارَ الندوةِ وهو مكانٌ تجتمعُ فيهِ قريشٌ عادةً، فقالَ الفاروقُ عمَرُ لصناديدِ قُريشٍ بصوتٍ جَهيرٍ:"يا معشَرَ قُريشٍ، من أرادَ منكم أنْ تُفْصَلَ رأسُهُ أو تثكَلَهُ أمُّهُ أو تترمَّلَ امرأتُهُ أو يُيتَّمَ ولدُهُ أو تذهبَ نفسهُ فليتبعني وراءَ هذا الوادي فإنِّي مهاجرٌ إلى يثرِبَ"فما تجرَّأَ أحدٌ منهم أنْ يحولَ دونَهُ ودونَ الهجرةِ لأنهم يعلمونَ أنَّهُ ذو بأسٍ وقوَّةٍ، وأنَّهُ إذا قالَ فعَلَ.
وكانَ مشركو قريشٍ قد أجمَعوا أمرَهم على قتْلِ رسولِ الله، فجمعوا من كلّ قبيلةٍ رجلا جَلْدًا نَسيبًا وَسِيطًا ليضربوهُ ضربةَ رجلٍ واحدٍ حتى يتفرَّقَ دمُهُ في القبائلِ.