فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 205

13-... كانت فرحة المؤمنين من سكان يثرب من أنصار ومهاجرين بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصوله إليهم سالما فرحة أخرجت النساء من بيوتهن والولائد، وحملت الرجال على ترك أعمالهم، وكان موقف يهود المدينة موقف المشارك في الفرحة ظاهرا، والمتألم من منافسة الزعامة الجديدة باطنا، أما فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم، فلا عجب فيها وهو الذي أنقذهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وأما موقف اليهود فلا غرابة فيه وهم الذين عرفوا بالملق والنفاق للمجتمع الذي فقدوا السيطرة عليه، وبالغيظ والحقد الأسود ممن يسلبهم زعامتهم على الشعوب، ويحول بينهم وبين سلب أموالها باسم القروض، وسفك دمائها باسم النصح والمشورة، وما زال اليهود يحقدون على كل من يخلص الشعوب من سيطرتهم، وينتهون من الحقد إلى الدس والمؤامرات، ثم إلى الاغتيال إن استطاعوا، ذلك ديدنهم، وتلك جبلتهم، وقد فعلوا مثل ذلك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد استقراره بالمدينة، برغم ما أمضاه بينه وبينهم على التعاون والتعايش بسلامن ولكن اليهود قوم يشعلون نار الحروب دائما وأبدا، و {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ} [المائدة:64] .

14-... من وقائع الهجرة إلى المدينة تبين لنا أنه - صلى الله عليه وسلم - ما أقام بمكان إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون فقد أقام مسجد قباء حين اقام فيها أربعة أيام، وبنى مسجدا في منتصف الطريق بين قباء والمدينة لما أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن الوادي « وادي رانوناء» .

... ... فلما أن وصل إلى المدينة، كان أول عمل عمله بناء مسجد فيها.

... ... وهذا يدلنا على أهمية المسجد في الإسلام، وعبادات الإسلام كلها تطهير للنفس، وتزكية للأخلاق، وتقوية لأواصر التعاون بين المسلمين، وصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، مظهر قوي من مظاهر اجتماع المسلمين، ووحدة كلمتهم، وأهدافهم، وتعاونهم على البر والتقوى، لا جرم أن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين، فهو الذي يوحد صفوفهم، ويهذب نفوسهم، ويوقظ قلوبهم وعقولهم، ويحل مشاكلهم، وتظهر فيه قوتهم وتماسكهم.

... ولقد أثبت تاريخ المسجد في الإسلام أنه منه انطلقت جحافل الجيوش الإسلامية لغمر الأرض بهداية الله، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت، وهل كان أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخالد، وسعد، وأبو عبيدة وأمثالهم من عظماء التاريخ الإسلامي إلا تلامذة المدرسة المحمدية التي كان مقرها المسجد النبوي.

... وميزة أخرى للمسجد في الإسلام أنه تنبعث منه في كل أسبوع كلمة الحق مدوية مجلجلة على لسان خطيبه، في إنكار منكر أو أمر بمعروف، أو دعوة إلى خير أو إيقاظ من غفلة، أو دعوة إلى تجمع، أو احتجاج على ظالم، أو تحذير لطاغية، ولقد شاهدنا في عصر الطفولة كيف كانت المساجد مراكز الانطلاق للحركات الوطنية ضد المستعمرين الفرنسيين، يلجأ إليها زعماء الجهاد ضد الاستعمار وضد الصهيونية، وإذا كنا نرى تعطيلها اليوم عن القيام بوظيفتها الكبرى، فما ذلك إلا ذنب بعض الخطباء من الموظفين المرتزقين، أو الجاهلين الغافلين، ويوم يعتلي منابرها ويؤم محاريبها دعاة أشداء في الحق، علماء بالشريعة، مخلصون لله ولرسوله، ناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم، يعود للمسجد في مجتمعنا الإسلامي مكان الصدارة في مؤسساتنا الاجتماعية، ويعود المسجد ليعمل عمله في تربية الرجال، وإخراج الأبطال، وإصلاح الفساد، ومحاربة المنكر، وبناء المجتمع على أساس من تقوى الله ورضوانه.

... وإنا لنأمل ذلك إن شاء الله حين تحتل هذه الطليعة الطاهرة من شبابنا المؤمن المثقفة بدين الله المتخلقة بأخلاق رسول الله منابره وأرجاءه.

15-... في مؤخاة الرسول بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية البناءة، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، فجاؤوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئا، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم، فليحمل الأخ أخاه، وليقتسم معه سراء الحياة وضراءها، ولينزله في بيته مادام فيه متسع لهما، وليعطه نصف ماله ما دام غنيا عنه، موفرا له، فأية عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل هذه الأخوة؟

... إن الذين ينكرون أن يكون الإسلام عدالة اجتماعية، قوم لا يريدون أن يبهر نور الإسلام أبصار الناس ويستولي على قلوبهم، أو قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس وكان في الإسلام مدلوله، وإلا فكيف تنكر العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي تاريخه هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ، وهي التي عقدها صاحب الشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - بنفسه، وطبقها بإشرافه، وأقام على أساسها أول مجتمع ينشؤه، وأول دولة يبنيها؟

... سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم..

16-... وفي الكتاب الذي عقد فيه الرسول الأخوة بين المهاجرين والأنصار، والتعاون بين المسلمين وغيرهم جملة من الأدلة التي لا ترَدُّ على أن أساس الدولة الإسلامية قائم على العدالة الاجتماعية، وأن أساس العلائق بين المسلمين وغيرهم هو السلم ما سالموا، وأن مبدأ الحق والعدل والتعاون على البر والتقوى والعمل لخير الناس، ودفع أذى الأشرار عن المجتمع، هو أبرز الشعارات التي تنادي بها دولة الإسلام، وبذلك تكون الدولة الإسلامية أينما قامت، وفي أي عصر نشأت قائمة على أقوم المبادئ وأعدلها، وهي تنطبق اليوم على أكرم المبادئ التي تقوم عليها الدول، وتعيش في ظلها الشعوب، وإن العمل في عصرنا هذا لإقامة دولة في مجتمعنا الإسلامي تركز قواعدها على مبادئ الإسلام عمل يتفق مع تطور الفكر الإنساني في مفهوم الدولة، عدا أنه يحقق للمسلمين بناء مجتمع من أقوى المجتمعات وأكملها وأسعدها وأرقاها.

وأيا ما كان فإن من مصلحتنا أن تبنى الدولة عندنا على أساس الإسلام، وفي ترك ذلك خرابنا ودمارنا، والإسلام لا يؤذي غير المسلمين في الوطن الإسلامي، ولا يضطهد عقائدهم، ولا ينتقص من حقوقهم، ففيم الخوف من إلزام الدول في البلاد الإسلامية بتنفيذ شرائع الإسلام، وإقامة أحكامه وهي كلها عدل وحق وقوة وإخاء وتكافل اجتماعي شامل على أساس من الإخاء والحب والتعاون الكريم؟ إننا لن نخلص من الاستعمار، إلا بالمناداة بالإسلام، وفي سبيل ذلك فليعمل العاملون {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [الطلاق: 2] {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5] .

الهجرة حدث غيّر مجرى التاريخ

(في ذكرى هجرة النبي: 12 ربيع الأول 1هـ)

أحمد تمام

طريق الهجرة

مكث النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى الإسلام، ويبصرهم بشرائعه، ويرشدهم إلى أحكامه، دون أن يتطرق إليه ملل، أو يصيبه كلل أو ضجر، لا تصرفه عن دعوته الشواغل، ولا يثنيه عن التبليغ وعد أو وعيد، وإنما هو ماض في طريقه، تحوطه عناية الله وتكلؤه رحمته، لا يجد وسيلة تمكّنه من تبليغ دعوته إلا اتبعها، ولا طريقة تهيئ له النجاح إلا أخذ بأسبابها، طرق كل باب، ووقف عند كل جمع، وعرض دعوته على القبائل؛ لعل أحدًا يؤمن بها ويؤازرها.

وآمن بالدعوة الجديدة بعض أهل مكة، ممن سمت نفوسهم، وصفت أفئدتهم، ونضجت عاطفتهم الدينية، فالتفوا حول نبيهم محمد (صلى الله عليه وسلم) ، كما آمن عدد من الرقيق والموالي والمستضعفين في مكة، ولم تلق مكة بالًا لهذا الدين الجديد في بادئ الأمر، وعدّت محمدًا (صلى الله عليه وسلم) وصحبه مجموعة من الحنفاء الذين يظهرون ثم يختفون دون أن يلتفت إليهم أحد.

لكنها استشعرت الخطر، حين رأت نفسها أمام رجل آخر، ودعوة مختلفة، وجماعة تتكون، وكتابًا يُتلى، وأن الرسالة تجد أنصارًا وإن كانت تشق طريقها ببطء، ثم هالها الأمر حين بدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) يهاجم الوثنية ويعيب الأصنام، ويسفّه عبادتها، ورأت أن مكانتها الدينية وزعامتها الروحية في خطر، فلجأت إلى مواجهة الدين الوليد، ومحاصرته بكافة الوسائل التي تضمن إجهاضه والقضاء عليه، ولم تتحرج في استخدام التعذيب والقتل والسجن مع المؤمنين بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ودعوته، ولم يسلم النبي (صلى الله عليه وسلم) نفسه من الأذى، وتعرضت حياته للخطر.

الهجرة إلى الحبشة.. محاولة للخروج من الأزمة

حين اشتد العذاب بأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وضاقت بهم السبل، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة"فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"، فخرج فريق من المسلمين إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.

وتفكير النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحبشة ينطوي على معرفة واسعة للنبي الكريم بأحوال شبه الجزيرة العربية، واتجاهاتها السياسية، فلم يكن هناك مكان أصلح للحماية والإيواء من الحبشة، فالقبائل العربية تربطها بقريش علاقات وثيقة، وروابط متينة تمنعها من استقبال هؤلاء المسلمين إذا ما فكروا في الهجرة إليها، وبلاد اليمن غير مستقرة يتنازعها التنافس بين الفرس والروم، والصراع بين اليهودية والنصرانية، ولم تكن أي مدينة من مدن الجزيرة العربية تصلح أن تكون مكانًا مناسبًا لإيوائهم، حتى يثرب نفسها التي استقبلت النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك، وأقام بها دولته -لم تكن تصلح هي الأخرى في هذا الوقت لاستقبال المهاجرين، حيث كانت تمزقها الخلافات الداخلية، والصراعات بين قبائلها. وكان جملة من هاجر إلى الحبشة ثلاثة وثمانين رجلًا.

مقدمات الهجرة الكبرى

وإذا كانت الحبشة التي يحكمها ملك عادل تصلح أن تكون مأوى صالحًا ومكانًا للحماية، فإنها لم تكن تصلح أن تكون مركزًا للدعوة، ومعقلًا للدين، ولهذا لم يفكر النبي (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة إليها، واستمر في عرض دعوته على القبائل العربية التي كانت تفد إلى مكة، أو بالذهاب إلى بعضها كما فعل مع قبيلة ثقيف في الطائف، ولم تكن قريش تتركه يدعو في هدوء، وإنما تتبّعت خطوه، تحذر القبائل من دعوته وتنفّرها منه.

غير أن سعي النبي الدءوب، وحرصه على تبليغ دعوته كان لا بد أن يؤتي ثماره، فتفتّحت لدعوته قلوب ستة رجال من الخزرج، فأسلموا، ووعدوه بالدعوة للإسلام في يثرب، وبشروه بالفوز لو قُدّر له أن تجتمع عليه قبائل يثرب.

ولم يكد ينصرم عام حتى وافى النبي (صلى الله عليه وسلم) في موسم الحج اثنا عشر رجلًا: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وعقد معهم بيعة عرفت ببيعة العقبة الأولى، على"ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم...".

وأرسل معهم حين عادوا إلى بلادهم مصعب بن عمير، وكان داعية عظيمًا، فقيهًا في الدين، لبقًا فطنًا، حليمًا رفيقًا، ذا صبر وأناة، فنجح في مهمته أيما نجاح، وانتشر الإسلام في كل بيت هناك، وهيأ السبيل لتكون يثرب هي دار الهجرة، التي ينطلق إليها المسلمون، ومعقل الدين ومركز الدولة.

وبعد عام عاد مصعب في موسم الحج، ومعه ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، التقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في إحدى الليالي سرًا وبايعوه بيعة العقبة الثانية، التي تضمنت التزامهم بحماية النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما يهاجر إليهم والدفاع عنه، والمحافظة على حياته.

ومن ثم حددت هذه البيعة الوضع القانوني للنبي (صلى الله عليه وسلم) بين أهل يثرب، فاعتبرته واحدًا منهم، دمه كدمهم، وحكمه كحكمهم، وقضت بخروجه ضمنًا من عداد أهل مكة، وانتقال تبعيته إلى أهل يثرب، ولهذا أخفى المتبايعون أمر هذه البيعة عن قريش؛ لأن الفترة بين إتمام هذه البيعة، ووصوله (صلى الله عليه وسلم) لا يلتزم أهل يثرب خلالها بحماية النبي الكريم إذا وقع له مكروه أو أذى من قريش.

التجهيز للهجرة

وبعد أن تمّت البيعة المباركة أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا أفرادًا وجماعات، يتخفّى بها من يخشى على نفسه، ويعلنها من يجد في نفسه القدرة على التحدي.

ولم تقف قريش إزاء هذه الهجرة مكتوفة اليدين، فحاولت أن ترد من استطاعت رده، لتفتنه في دينه أو تعذبه أو تنكل به، ولكن دون جدوى، فقد هاجر معظم المسلمين، وبقى النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة، ووقعت قريش في حيرة: هل يظل في مكة كما فعل في الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مع أصحابه؟ وفي هذا خطر شديد عليهم؛ لأنه يستطيع في يثرب أن ينظم جماعته، ويقيم دولته، فتتهدد مكانة قريش بين القبائل، وتضيع زعامتها، وتتأثر تجارتها.

حزمت قريش أمرها، واتخذت قرارها بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل أن تفلت الفرصة من بين أيديها، ويتحقق ما تخشاه، فأعدوا مؤامرتهم لهذا الغرض الدنيء، وأشركوا جميع القبائل في قتله، باختيار شاب قوي من بين أبنائها، حتى يتفرق دمه في القبائل، ولا يقوى بنو هاشم على محاربة أهل مكة، وقد سجل القرآن الكريم نبأ هذه المؤامرة الخسيسة في قوله تعالى:"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" [الأنفال: الآية 30] .

حادث الهجرة.. وأسباب النجاح

اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) كل الأسباب التي تضمن نجاح هجرته إلى المدينة التي ترتب عليها قيام دولة الإسلام، واتساع رقعتها، وسطوع حضارتها، ولعل أهم الأسباب هو نجاحه الباهر في إعداد المكان الذي سينزل به هو وأصحابه، مستخدمًا كل الوسائل الممكنة من توثيق عرى العلاقات مع أهل يثرب بعقد معاهدتين عظيمتين، وإرسال داعية عظيم الكفاءة، قوي الإيمان، شديد الإخلاص؛ لنشر الدين، وجذب الأتباع هناك.

والسبب الثاني من أسباب النجاح هو اختيار الوقت المناسب للهجرة، فلم يعزم النبي (صلى الله عليه وسلم) على الهجرة إلا بعد أن استوثق من رسوخ إيمان أهل يثرب، وتعهدهم بحمايته والدفاع عنه، وذلك في بيعة العقبة الثانية، ومن ثم لم تعد هناك حاجة لبقائه في مكة بعد أن وجد النصرة والمنعة عند أهل يثرب.

والسبب الثالث هو آليات الهجرة التي اتبعها النبي في خروجه من مكة إلى المدينة، في واحدة من أجلّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة، وتفاصيل هذه الهجرة مذكورة في كتب السيرة، ولسنا في حاجة إلى سردها الآن، ولكن يمكن القول بأنها كانت سرية إلى أقصى حد، ودقيقة إلى أبعد مدى، وضع لها النبي (صلى الله عليه وسلم) كل ما في وسع البشر وطاقتهم من وسائل تضمن لها النجاح، وخطط تحقق لها التوفيق، فإذا لم يفلح ذلك كله، فستأتي عناية الله في اللحظة المناسبة.

الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة

وما إن وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة في ضحى يوم الإثنين، الموافق (12 من ربيع الأول للسنة الأولى من الهجرة 24 سبتمبر 622م) حتى بدأ العمل الجاد، والسعي الدءوب، حتى أكمل رسالته على نحو لا مثيل له في تاريخ الإنسانية.

ولم تكن يثرب عندما نزلها النبي (صلى الله عليه وسلم) مدينة بالمعنى المعروف، وإنما كانت واحات متفرقة في سهل فسيح يسكنها قبائل الأوس والخزرج والجماعات اليهودية، فنظّم العمران بالمدينة، وشق بها طرقا معبّدة، وكان المسجد هو الأساس في هذا التنظيم، انتظم حوله عمران المدينة الجديدة، واتسقت شوارعها.

وكان هذا المسجد هو مقر الرئاسة الذي تقام فيه الصلاة، وتُبرم فيه كل الأمور، وتُعقد به مجالس التشاور للحرب والسلم واستقبال الوفود، وبجوار المسجد اتخذ النبي مساكنه، وكانت متصلة بالمسجد، بحيث يخرج منها إلى صلاته مباشرة، وأصبح من السُنّة أن تُبْنى المساجد وبجوارها بيوت الولاة ودواوين الحكم.

ثم أصلح النبي ما بين الأوس والخزرج وأزال ما بينهما من عداوة، وجمعهما في اسم واحد هو الأنصار، ثم آخى بينهم وبين المهاجرين على أساس أن المؤمنين إخوة، وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها العرب شيئا يسمى الأخوة، دون قرابة أو صلة رحم، حيث جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين، بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم.

وبعد المؤاخاة كانت الصحيفة، وهي الدستور الذي وضعه النبي (صلى الله عليه وسلم) لتنظيم الحياة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، هذه الوثيقة لم يُمْلِها النبي (صلى الله عليه وسلم) إملاء، وإنما كانت ثمرة مناقشات ومشاورات بينه وبين أصحابه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وكلما استقروا على مبدأ قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإملاء نصه على علي بن أبي طالب، وشيئا فشيئا اكتملت الوثيقة، وأصبحت دستورا للجماعة الجديدة، ولا يكاد يُعرف من قبل دولة قامت منذ إنشائها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية الجديدة، فإنما تقام الدول أولا، ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور.

وأدت هذه السياسة الحكيمة إلى قيام جماعة متآلفة متحابة، وإلى ازدياد عدد سكان المدينة حتى زاد عدد سكانها عما كانوا عليه أكثر من خمس مرات، بعد أن أقبل الناس على سكناها؛ طلبا للأمن والعدل في ظل الإسلام، والتماسًا لبركة مجاورة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، واستجابة لما دعا إليه القرآن من الهجرة إلى الله وإلى رسوله.

بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة

كانت الهجرة إلى المدينة ضرورة ملحة فرضتها الأحداث التي أحاطت بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وألزمته السعي إلى مكان آخر تُمارس فيها شعائر الإسلام، وتُطبّق أحكامه، وتنطلق دعوته إلى كل مكان، دون مزاحمة أو تضييق، ومكة حينذاك لم تعد صالحة لهذه الفترة من عمر الرسالة، لأن العداء قد بلغ بها كل مدى ضد الدين الجديد، وأصبحت هناك صعوبة بالغة في استكمال الدعوة التي تحتاج إلى دولة حتى تنجح راسلتها.

ولم تكن الحبشة التي تنعم بالعدل والأمان تصلح لهذه الفترة؛ نظرا لاختلاف البيئة اللغوية والدينية هناك؛ الأمر الذي جعل حركة الإسلام هناك بطيئة، وبلا فاعلية، ولا تسمح هذه البيئة بالتطبيق؛ ومن ثم لم تكن هناك مدينة في شبه الجزيرة العربية تصلح لاستقبال الدين في الفترة الثانية إلا يثرب التي أُطلق عليها مدينة الرسول.

من مصادر الدراسة:

ابن هشام (عبد الملك بن هشام) السيرة النبوية- مطبعة مصطفى البابي الحلبي- القاهرة 1936م.

حسين مؤنس- دراسات في السيرة النبوية- الزهراء للإعلام العربي- القاهرة 1405هـ 1984م.

محمد لقمان الأعظمي- مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول- دار المعالم الثقافية- السعودية 1989م.

محمد بن محمد أبو شهبة- السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة- القاهرة 1401هـ1981م.

أحمد إبراهيم الشريف- الدولة الإسلامية الأولى- دار القلم- القاهرة 1965م

الهجرة دروس وعبر

سامي بن خالد الحمود

الحمد لله مدبر الشهور والأعوام , ومصرف الليالي والأيام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام . أما بعد أيها الأحبة الكرام .

قبل ألف وأربعمائة وإحدى وعشرين سنة كانت هذه الأرض أرض الحرمين على موعد مع حادثة عظيمة وقصة مثيرة ، نصر الله بها الدين ، وقلب بها الموازين .

من منا لا يعرف هذه القصة ، وحرف الهاء الذي يشير إليها لا يغيب عن أنظارنا ، فهو بجانب كل رقم نؤرخ به أيامنا .

مكة .. محمد - صلى الله عليه وسلم - .. أبو بكر ... قريش .. مؤتمر الندوة .. الاغتيال .. الغار .. العنكبوت .. ذات النطاقين .. سراقة .. أم معبد .. الأنصار .. المدينة النبوية .

هذا أيها السادة هو موجز أنباء القصة .

وإن في السيرة لخبرا ، وإن في الهجرة لعبرا ، وإن في دروسها لمدكرا ... فإلى تفاصيل القصة .

مكث عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشر عامًا بمكة يدعو إلى لا إله إلا الله .

سنوات طويلة من التعذيب والإيذاء .. والتشريد والابتلاء .

وبعد اشتداد الأذى ينام عليه الصلاة والسلام في ليلة من الليالي على فراشه فيرى دار الهجرة وإذا هي أرض ذات نخل بين لابتين .. إنها طيبة الطيبة .

ومن مكة تنطلق ركائب المهاجرين ملبيةً نداء ربها .. مهاجرةً بدينها ..مخلفةً وراءها ديارها وأموالها .

ويهم أبو بكر بالهجرة فيستوقفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقول: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا .

وعلى الجانب الآخر تشعر قريش بالخطر الذي يهدد كيانها بهجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ، فتعقد مؤتمرًا عاجلًا في دار الندوة ( برلمان مكة ) للقضاء على محمد قبل فوات الأوان . ويحضر الشيطان معهم على صورة شيخ نجدي قال بعضهم: احسبوه في الحديد حتى يموت ، وقال بعضهم: أخرجوه وانفوه من البلاد ، وبعد أن قوبل هذان الاقتراحان بالرفض تقدم فرعون هذه الأمة أبو جهل برأي خبيث ماكر فقال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شابًا جليدًا نسيبًا ثم نعطي كل فتىً منهم سيفًا صارمًا فيضربون محمدًا ضربة واحدة فيقتلوه فيتفرق دمه في القبائل . فأعجب القوم بهذا الرأي حتى إن الشيطان الذي لم يستطع الإتيان بمثله أيده وقال: القول ما قال الرجل هذا الرأي لا أرى غيره .

ووافق البرلمان على هذا القرار الغاشم بالإجماع وبدأوا في التنفيذ .

ينزل جبريل فيخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتلك المؤامرة ويقول: يا محمد لا تبِت في فراشك الليلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت