قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه، قال كعب: (( خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا - زاد الحاكم: وكنا خمسمائة - حتى إذا كنا بظاهر البيداء قال: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيًا، ووالله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت ألا أدع هذه البنية مني بظهر -يعني الكعبة- وأن أصلي إليها قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه، فقال: إني لمصل إليها فقلنا له: لكنا لا نفعل. قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة وقد كنا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلًا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا: نعم، وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قال: نعم فقال البراء بن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله تعالى للإسلام، فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها، قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى معنا إلى الشام قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا: نحن أعلم به منهم.
قال ابن هشام: وقال عون بن أيوب الأنصاري:
ومنا المصلي أول الناس مقبلًا على كعبة الرحمن بين المشاعر
يعني البراء بن معرور.
قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة من أوسط أيام التشريق قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيانا العقبة قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بني مازن من النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع. قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها - إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، إنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر. قال: فاعترض القول - والبراء يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيّهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا، ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
قال ابن هشام: ويقال: الهدم الهدم: يعني الحرمة، أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم.
قال كعب: كان أول من ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البراء بن
معرور، ثم بايع بعد القوم.
فلما بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب - والجباجب: المنازل - هل لكم في مذمم والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أزبّ العقبة، هذا ابن أَزْيَب - قال ابن هشام: ويقال ابن أُزَيب - أتسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك.
قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم.
قال: فقال له العباس بن عبادة بن نَضْلة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا؟
قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا.
قال: فلما أصبحنا غدت علينا جِلّة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه.
قال: وقد صدقوا، لم يعلموه، قال: وبعضنا ينظر إلى بعض، قال: ثم قام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان له جديدان، قال: فقلت له كلمة - كأني أريد أن أَشْرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ، وأنت سيد من ساداتنا، مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟
قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي، وقال: والله لتنتعلنهما.
قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنه )) (48) .
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: (( أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نُهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلًا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فمالنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه ) ) (49) .
عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: (( دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) ) (50) .
الاحتياطات لاجتماع العقبة الثانية:
1-السرية التامة التي أحاطت بالاجتماع من بدايته إلى نهايته: (( وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ) ).
2-الخروج من المدينة مع المشركين دون تميز في قافلة خاصة.
3-ضرب الموعد في أيام الحج في المشاعر حيث الناس مشغولون بمناسكهم وليس في مكة قبل الحج.
4-عدم الحديث عن الموعد أو الإشارة إليه أو التلميح به حين التقى البراء بن معرور وكعب بن مالك بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة.
5-مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصحبة عمه العباس يحتمل أن يكون تعتيمًا على قريش وقطعًا للمتابعة اللصيقة منهم، إذ لو خرج مع أبي بكر أو عمر لربما صحبه أبو لهب أو أبو جهل لمتابعته كما كانوا يفعلون، ثم إن العباس عمه ومن أهله فلا يستنكر أن يخرج الرجل مع أقاربه.
6-اختيار المكان المناسب (( العقبة في منى ) )فليس المكان بعيدًا بحيث يفتقدون ولا يتم الاجتماع بوقت قصير لطول الطريق، ولم يكن المكان مكشوفًا بل بينه وبين منازل الناس الجبل.
7-اختيار الزمن المناسب (( أوسط أيام التشريق ) )فليس في أولها والناس منشغلون بالمناسك يستقون ويذهبون ويأتون، ولا في آخرها والناس يستعدون للسفر.
8-اختيار الوقت المناسب (( بعد ثلث الليل الأول ) )فليس في أوله، فقد يكون بعض الناس مازال مستيقظًا، ولا في آخره فيأخذ بعضهم حظه من النوم فربما استيقظ لأدنى حركة.
9-المبيت مع المشركين في منازلهم أول الليل.
10-طريقة الخروج من بين ظهراني المشركين (( التسلل من الفرش مستخفين ) ).
11-كيفية المشي والسير والحركة (( مشي القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ) ).
12-كيفية التجمع (( واحد واثنان ) ).
13-الحضور للاجتماع في وقت واحد دون تخلف أو تأخر أحد منهم على الرغم من كثرة العدد (( ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان ) ).
14-تجمعهم كلهم قبل مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحيث لو اكتشف الاجتماع كان أمرًا عاديًا حيث لم يكن معهم غريب يثير التساؤل.
15-عدم فسح المجال للكلمات والخطب أو لكل شخص للتعبير عن ما في نفسه، لأن هذا يطيل المجلس وربما تسبب في اكتشافه.
16-إنهاء الاجتماع بوقت قصير.
17-ترك موقع الاجتماع بسرعة وللجميع، فعلى الرغم من حرص الجميع على البقاء أكثر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وبخاصة أن بعضهم يراه لأول مرة فيحب أن تكتحل عينه برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس هذا وقته.
18-الرجوع إلى المنازل والنوم في الفرش حتى الصباح.
19-ترك الحديث في الموضوع بعد الرجوع إلى المنازل.
20-التعتيم على الاجتماع وصرف التساؤل عنه بطرح قضايا هامشية في الوقت الذي تطرح فيه قريش أمرًا مصيريًا، كما في قصة كعب مع الحارث بن هشام.
ولقد نجح هذا التخطيط أعظم نجاح، فهو وإن كان في بلد الشرك والكفر، وفي زمن تجمع المشركين، فإن هذا التخطيط الدقيق قد أخفى هذا الاجتماع على جميع الحجاج.
وأكبر دليل على ذلك أن الذي تولى الدفاع وإنكار الاجتماع هم من ينامون ويجاورون المسلمين في فرشهم.
بعض الدروس والعظات والفوائد:
1-تتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - للناس في منازلهم وأسواقهم عشر سنين يكشف لنا مدى الجهد والتعب الذي بذله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته ومدى صبره ومواصلته للعمل، وعدم اليأس من صلاح الناس وهدايتهم.
2-حجم الدعاية الإعلامية التي شنتها قريش ضد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين قبائل العرب حتى جعل الناس يحذرون أفرادهم منه.
3-أن الحملة الدعائية مهما كان حجمها والجهود التي بذلت فيها ومهما كان اتساعها فإنها تبقى محدودة ولن تستقطب جميع الناس حيث يبقى من لا تؤثر فيه تلك الدعايات ممن هو خارج عن إطار الإمعات.
4-لا يستوحش من الحق لقلة السالكين وهذا الدين سيمكن في الأرض ولو بعد حين، فقد بقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة سنة يطارد بمكة ويحذر منه، فلم يتطرق إلى نفسه اليأس من الانتصار، وجاء نصر الله مسوقًا إليه من أهل المدينة، فالاضطهاد والملاحقة لا تثني الداعي عن دعوته، ولا تمنع من استجابة الناس له.
5-التفكير في إخراج الدعوة من الحصار الذي يضربه عليها أعداؤها وفك الخناق عنها، فلقد كان ذلك هو شغل الأنصار الشاغل وهمهم الذي ينامون عليه ويصحون معه، مع الشعور بالمسؤولية وإن لم يطلب منهم ذلك، حيث أن حجر الداعية ومنعه والحظر عليه مضرة بالمدعوين أكثر من الداعي، لذا قالوا: (( حتى متى نترك رسول الله... ) ).
6-الإنكار على من اجتهد مع وجود النص، كما أنكر الأنصار على البراء بن معرور صلاته إلى الكعبة، ولكن مع ذلك لم يحصل مقاطعة أو منافرة.
7-استفتاء العلماء عند وقوع خلاف (( مثل: طلب البراء بن معرور اللقاء مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليعرض عليه المسألة ) ).
8-رد المخطئ إلى الصواب دون تبكيت له فما زجره ولا نهره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اجتهد البراء.
9-هكذا يجب أن تكون التربية فقد رجع البراء بن معرور إلى القبلة بكلمة من الرسول صلى الله عليه وسلم: (( قد كنت على قبلة لو صبرت عليها ) )فلم يتطلب الأمر إلى كلام كثير ووسائل إقناع .
10-كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة واطلاع على أحوال المجتمع الجديد الذي سيحتضن الإسلام، حتى أنه ليعرف ميزة بعض أفراده (( قال: الشاعر ) )وهذا مفيد في الاستفادة من جميع القدرات وتوظيفها في مواقعها المناسبة.
11-مفارقة الأهل والأقارب إذا أصبحوا عقبة في طريق الدعوة.
12-حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الهجرة إلى المدينة مع أنه في عز ومنعة من قومه، لأن الأمن الذي يسعى إليه - صلى الله عليه وسلم - هو الأمن للدين لا للنفس والبدن والأهل.
13-لعل مجيء العباس مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان تأكيدًا للأنصار أن الأمن المطلوب للدعوة لا لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرهم بمكانة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندهم وحمايتهم لشخصه.
14-الاستفادة من أنظمة وتقاليد وعادات المجتمع في نصرة الدعوة بشرط أن لا تكون على سبيل المقايظة، حيث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد امتنع بالعصبية القبلية في قومه فلم يخلص إليه كما قال العباس بن عبد المطلب.
15-البدء بالتذكير والوعظ وترغيب النفوس وترقيق القلوب مهما كانت أهمية الاجتماع وخطورته، فلم يَكِلهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يعلمون (( فتكلم رسول الله، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ) ).
16-الصدق والإخلاص مع إدراك المخاطر كلها التي تمر بها الدعوة كان ظاهرًا في هذا الاجتماع (( فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ) )فلم يقولوا: اذكر لنا ما تريد أو تكلم بما أحببت أو اعرض علينا شروطك، فيكون في هذا مجال اختيار ونظر، ولكنهم رضي الله عنهم أبانوا أنهم على استعداد لتحمل جميع التكاليف دون أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
17-أكثر أنصار الدعوة شباب وهم عماد الأمة إذا قيدوا بالإيمان والعلم والتربية (( قال العباس: هؤلاء أحداث ) ).
18-اتخاذ جميع الاحتياطات لحماية الدعوة والدعاة لا ينافي التوكل.
19-الاهتمام بدعوة الأشراف الذين يرجى منهم القبول واتخاذ الأسلوب الأمثل في دعوتهم، ومدحهم بما فيهم (( مثل دعوة والد جابر ) ).
20-لا يشترط في الولاية الأسبقية بل الأهلية مقدمة على ذلك، فعبد الله بن عمرو بن حرام كان جديدًا في الإسلام ومع ذلك كان نقيبًا.
21-الوضوح والصراحة عند المعاهدة أو المعاقدة على دعوة وقد بيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأنصار ما يطلب منهم حتى يكونوا على بينة من أمرهم، فلم يكن مستغلًا لعددهم وعدتهم فيستر عنهم مشاكله التي تمر بها دعوته بل أوضح لهم كل ما يحف به من مخاطر.
22-سرعة استجابتهم مع إدراكهم حجم الخطر الذي سيحل بهم دليل على تمكن الإسلام من قلوبهم واستعدادهم الكبير للبذل والعطاء من أجله (( أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها ) ).
23-حاجة الدعوة إلى الرجال الناصرين لها... .
24-الدقة التامة في المواعيد فلم يتخلف رجل واحد منهم أو يتأخر عن الوقت.
25-الشروط الخمسة في البيعة: وتبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم.
كانت واضحة جلية ولم يكن شيء منها عائمًا، حتى يكون المستعد لخدمة هذا الدين متبصرًا عارفًا بكل الأمور والمتطلبات، ويخطئ من يظن أن مواجهة العدو والدفاع عن هذا الدين تأتي من خلال الكلام العائم، والحماس المندفع للإسلام بدون تبصر وروية.
26-يجب توقع أسوأ النتائج وعرضها على جميع المستعدين للذب عن هذا الدين، حتى تتميز الصفوف أولًا، ويقطع العذر على المتخاذل، ويكون التخطيط دقيقًا والخطوات محسوبة، ولا يعطي أحد البيعة إلا وعنده القدرة على الوفاء بها مع الصبر على تبعاتها.
وهذا هو طريق الأنبياء، لابد من بذل وتضحيات، أما الدعوة بدون تكاليف، وبلا تضحيات، وبدون بذل وجهد فهذا شيء آخر.
قال أسعد بن زرارة: (( ...وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن يعضكم السيف، فإن أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وإن أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر عند الله -عز وجل- ! ) ).
فينبغي البعد عن تخدير الناس بالأماني الجميلة والمواعيد الحلوة، والأحلام المحببة للنفوس، فالطريق طويل وصعب وشائك.
27-السعي لتمكين الدين في الأرض لا لتمكين الأشخاص، ولهذا كان الضمان الوحيد لأهل البيعة (( الجنة ) )فلا منصب ولا وزارة ولا وظيفة... ولا مكان للذي يطلب العاجل، فالدعوة والجهاد وبذل المال والنفس كلها يجب أن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة (( فأخذ علينا ليعطينا بذلك الجنة ) ).
28-يؤخذ من قول الهيثم بن التيهان (( إن بيننا وبين القوم حبال... ) )أن مقاطعة اليهود والنصارى من بدهيات العقيدة، فلم يقل فهل ترى أن نقطعها!!
29-وفي قوله: (( بل الدم الدم ) )دليل على تحمل الداعية والراعي ما يصيب الناس، وأنه جزء من المجتمع فهم شركاء مصيرهم واحد.
30-تنظيم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحاب العقبة وتقسيمهم وجعل العرفاء والنقباء عليهم، مما يسهل الاتصال بهم، والقدرة على تربيتهم ومتابعتهم.
31-عدم تحمل الشيطان الحدث فبعد نجاح التخطيط حاول بنفسه البلاغ عن الاجتماع (( يا أهل الجباجب ) ).
32-صرف الكلام عن مجراه وتحويره ليبطل الخطر المتربص في الدعوة، وتلهية الأعداء إذا خيف كشف الخطط، والتعتيم في مثل هذه الحالة من الذكاء والفطنة، فكأنه يقول لسنا من أصحاب الاجتماعات بل هممنا لا تتعدى الانشغال بمثل هذه التوافه كالنعلين، فالرجل كان يتحدث عن قضية مصيرية خطيرة وكعب مشغول بحذائه الجديدة !!
33-قوله: (( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ) )ولم يختر لهم مع أنه بإمكانه أن يختار من بايعه في العقبة الأولى وهم من السابقين وكان عددهم اثني عشر، فأعطاهم الحق في الاختيار احترامًا لآرائهم وعقولهم، واستفادة من طاقتهم وخبرتهم بالرجال في اختيار الأفضل.
34-المفاصلة في العقيدة من أول لحظة تتضح لمن يعتنق الإسلام وتكون فطرته سليمة، فأعظم ما يدافع العربي عن قومه وعشيرته، لكن العباس بن نضلة أراد أن يميل عليهم ويبيتهم في منازلهم!!
35-الدعوة تساس بالتخطيط والتعقل لا بالانفعالات والرغبات، والداعية لا يتأثر بحماس أتباعه (( إن أردت أن نميل على أهل منى بأسيافنا ) )والتحسب لقطرة دم تخرج بفعل نزوة عاطفية، أو حماس غير منضبط، أما إذا جد الجد فالأرواح فداء لدين الله تعالى، فروح الاستبسال سادت هذا الجمع الطاهر ولكن ما أثرت على التخطيط.
ويجب النظر في العواقب وإدراكها تمامًا، حتى يعرف الداعية أين يضع قدمه، فلا يبتّ بأمر لم يقدر جميع ظروفه.
36-تقدير الحماس مع عدم الاستجابة له والرد عليه بالتي هي أحسن (( لم نؤمر بذلك ) ).
37-عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحركاته وسياسته تنطلق من شرع الله، ولهذا بين للصحابي ذلك بقوله: (( لم نؤمر بذلك ) ).
38-إن الرجال الذين يعدون لحمل راية الإسلام، وقيام الدين على سواعدهم، غير الذين يريدون أن يعيشوا على هامش الحياة.
39-أن الدين الإسلامي لم يصل إلينا بسهولة بل بعد جهد وبذل للأنفس والأموال، ومفارقة للأهل والديار.
40-(( ففي البيعة الأولى كان الإيمان بالله ورسوله، وفي البيعة الثانية كان العهد على الهجرة، والجهاد.
وبهذه العناصر الثلاثة: الإيمان، والهجرة، والجهاد، يتحقق وجود الإسلام في واقع جماعي ممكن.