الأجل سعى للعودة إلى بلده ليسد الدين، ولكن لم يجد مركبًا فيحمله شعورُه بتقوى الله على أن يضع المال في الخشبة ويوكل الله بإيصاله، ثم بعد أن يصل إلى البلدة يسعى لسداد الدين ودفع المبلغ لأصاحبه فيواجه بأمانة صديقه يقول (فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة) قارن هذا بالذين يأتون إلى الناس طالبين الدين لسد حاجة وتفريج كرب ويقولون لك آخرَ الشهر إن شاء الله يكون المال عندك، حتى إذا حل موعد السداد ماطل وتأخر وحفيت أقدام الدائن على باب المدين، وربما قال في نفسه: لماذا أسدد الدين فالدائن أغنى مني؟!!! واستحل لنفسه المماطلة.
لمثل هؤلاء نقول: اسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ" [1]
وتأمل في القصة التي ذكرتها على مسامعكم كيف سخر الله تعالى البحر بأمواجه لحمل المال لصاحبه حين نوى المدينُ السداد، فكأن القصة ترشدنا إلى أن نية السداد وصدق القصد سبب لتسخير الأكوان لك، وأن ييسر الله لك قضاء حوائجك قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحج:65) فالأكوان مسخرة لك، بأمر الله تسير وتخرج خيراتها، وعليك أن تطرق أبوابها بالمفاتيح الصحيحة للرزق وأهما الأمانة وحفظ أموال الناس. ومن القصص التي حفظها لنا التاريخ في جزاء الأمانة قصة أبي بكر محمد بن عبد الباقي البغدادي أحدِ علماء الحنابلة، فقد أصابه فقر شديد حتى إنه لم يجد ما يدفع عن نفسه الجوع، فخرج يومًا في الطريق فوجد كيسا من برسيم مشدودا بشرَابة قال: فأخذته وجئت به إلى بيتي فحللته فوجد فيه عِقدًا من لؤلؤ، شعر صاحبنا بأن صاحب هذا العقد لا بد أن يبحث عنه، قال: فخرجت فإذا بشيخ ينادي في السوق من وجد ضمة برسيم وله مكافأة من المال فقلت له تعال إلي فأعطيته الضمة، واعتذرت عن قبول المكافأة، فلما ألح علي قلت إني فعلت واجبي ولا آخذ له جزاءً، ثم خرج أبو بكر البغدادي إلى البحر في سفر فانكسر المركب وغرق الناس، وحمله البحر إلى جزيرة فيها قوم، فأخذ يعلم الناس وفتح الله عليه في تلك القرية، وكثر ماله، وتحسن حاله. ثم أراد أهل القرية تزويجه فتاةً يتيمة، فلما زفوها إليه، وجدها تلبس ذلك العقد الذي وجده ذات مره في ضمة برسيم ورده إلى صاحبه، فأدْهشه رؤيةُ العِقدِ وأطالَ النظرَ إليه، حتى إنَّ عروسه وجدت في نفسها؛ لانشغال عروسها عنها بالنظر إلى العقد، فسألته: ما بالك تطيل النظر إلى العقد بدلا من النظر إلى عروسك في يوم زفافها؟ فأخبرها بقصته مع ذاك الرجل
(1) -رواه البخاري: كتاب الاستقراض والأداء: باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها: برقم (2346) .