وقيلَ: المُرادُ أنَّها إذا سمِعتْ المَزاهِرَ أيقنَتْ بالهلاكِ؛ لِما اعتادَه مِنْ نحرِها إذا سَمِع الغِناءَ وانتَشى وهبَّتْ فيه الأرِيحِيَّةُ، وهذا لا تعتادُهُ الإبلُ وتفهمُهُ إلَّا مع التَّكرارِ والاستمرارِ.
وقد يحتملُ أنِ يكونَ هذا استعارةٌ لكثرةِ النَّحرِ، وترادُفِ الحفَاوَةِ والبِرِّ،
/ وإنْ كانتْ لمْ تُرِدْ فهمَ الإبلِ لهلاكِها، ولكنْ لمَّا كانَ ذلك منه يوافقُ إهلاكَها، ويوقنُ من يعقِلُ به، أُضيفَ ذلك إليها؛ إذ هو واقعٌ بِها على ضَرْبٍ من الاستعارَةِ. وهذا النَّحوُ كلُّه من فصيحِ الكلامِ وبدِيع البيانِ، وهو نوعٌ يُسمِّيه أهلُ النَّقدِ والبلاغةِ: الإردافَ والتَّتبيعَ (١) ، وهو أبلغُ في الوصفِ، كما سنذكرُه بعدُ، ومنه في معنى ما نحنُ فيه، ومثالُه: قولُ الشَّاعرِ (٢) :
وَمسْتنْبحٍ تَهْوِي مَساقِطُ رَأْسِهِ ... إلى كُلِّ شَخْصٍ وهْوَ لِلسَّمْعِ أصْوَرُ
حبِيبٌ إلى كَلْبِ الكَرِيمِ مُناخُهُ ... بَغِيضٌ إلَى الكَوْمَاءِ (٣) والكلْبُ أبْصَرُ
وذلك أنَّ الكلبَ ينعمُ فيما يَلغُ فيه مِمَّا ينحرُ له، ويأكلُ منْ سقاطَتِها وعظامِها، فمتى رأى ضيفًا، أحبَّ نزولَه لذلك، والكومُ تبغضُه؛ لأنَّها تشقى