فهذبْ لسانك ، وجوّد بيانك ، ودرب جنانك ، وأطلق في الفصاحة عنانك ، لتكون الخطيب المسدّد ، والمتكلم المؤيد . وحذار من ترداد الكلام ، فإنه يتحول إلى ركام ، ويصبح الخطيب أقبح في العين من الظلام ، وإيّاك والتقعر والغرابة ، فإنها من عيوب الخطابة ، ولا تكرر العبارة ، ولا تكثر الإشارة ، ولا تقحم نفسك في فنون أهل الاختصاص ، ولا تجرح الأشخاص . واخلط الترغيب بالترهيب ، والوعظ بالتأديب ، وتحبب إلى السامعين بالطَّيِّب من الكلام ، ولا تتعرض للشتم والملام ، وتألف القلوب ، وذكرهم برحمة علاّم الغيوب .
وتخولهم بالموعظة ، لتكون لقلوبهم موقظة ، وتحدث فيما يحتاجون إليه من مسائل، وما يهمهم من فضائل ، وكن لطيفًا مع الناس ، كالطبيب الآس .
واجعل إمامك في الخطابة رسول البيان ، صاحب القرآن ، سيد ولد عدنان .
فقد كان الجذع يحنّ لكلامه ، ويئن من كثرة شوقه وهيامه ، وكانت الدموع من وعظه تتحدر ، والقلوب تتفطّر ، والنفوس تتحسر ، هذا إذا أنذر وحذر ، أما إذا ذكرهم بمغفرة الغفور ، فهناك تسبح النفوس في صرح ممرّد من السرور ، وفي جدول من الحبور، فيمد كلامه نور الفطرة فالكل نور على نور .
هذا الكلام ما قاله أحد
ولا تلا مثله في الجمع سحبان
عليه من حلل الأنوار أردية
فكل قلب من الأشواق نشوان
يصدع الصخر في زجر وموعظة
وفي البشارة روض فيه ريحان
أيها الخطباء كونوا أبطالا ، ورصّعوا من الحكمة أقوالا ، ودبّجوا من الفصاحة أمثالا ، وانفروا خفافًا وثقالا ، وفقكم الله تعالى .