فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 303

من نجد خرج الأعشى يتمشى ، بعد أن تعشى ، فتوجه إلى المدينة ليعلن إسلامه ، فلقيه أبو سفيان فخاف مقامه ، وأعطاه خطامه ، ليعود لليمامة ، فعاد بجمله ، وأرخى زمامه ، وأطلق خطامه ، فأسقطه فكسّر عظامه ، فباء بالخسران والندامة ، وله قصيدة فريدة ، يصف ويبعث فيها همومه المريدة ، مطلعها:

ألم تغتمض عيناك ليلة ثرمدا

وعادك ما عاد السليم المسهدا

في نجد شعر عجب ، خذ شعر امرؤ القيس إذا شرب ، والأعشى إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وزهير إذا رغب ، وابن كلثوم إذا غضب . شعر امرؤ القيس كالخمر المعتّق ، تكاد القلوب منه تتشقق ، والعروق تتفتق ، والدموع تتدفق ، فإذا سمعْتَه فترفق .

وشعر الأعشى ، كالحمَّى ، يتركك كالمغْمَى ، أو كأنك أعمى ، وهو من الغيث أهمى ، ومن النجم أسمى . وشعر النابغة سحر حلال ، لكنه يذهب عقول الرجال ، وله روعة وجمال ، وأبهة وكمال . وشعر زهير كالماء الزلال ، فيه صدق واعتدال ، وحق وجلال ، بعيد عن السخف والإملال . وشعر ابن كلثوم يسابق حسامه ، كأنه بروق تهامة ، لأن صاحبه طالب زعامة ، يريد العزة والكرامة .

لما كان الشعر في روابي نجد الخضراء ، وفي فيافيها الفيحاء ، كان آية في الحسن والنبل والبهاء . فلما دخل الشعر إلى القصور ، وسكن الدور، خرج كأنه جلد ثور، لا يطبخ في القدور ، ولا يهبط من النحور ، يحتاج البيان إلى خيمة مضروبة ، ورابية منصوبة وخضرة وخصوبة ، لترى الأمثال المضروبة ، والمعاني المرغوبة ، ولما صار القلم بجانب التلفاز ، والعقل بجوار الجهاز ، ذهب البيان والإعجاز ، وغرُب الإبداع والإنجاز .

والسلام على نجد التوحيد ، ما تردد تغريد ، وعذب نشيد ، وطاب قصيد ، وعاد عيد ، ورحمة الله عليكم أهل نجد إنه حميد مجيد .

{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ }

إذا بلغ الرضيع لنا فطاما

ونشرب إن وردنا الماء صفوًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت