فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 303

زين الله بهم الأمة بين الأمم ، كما زين السماء بالنجوم في الظلم ، فهم كتيبة الديانة، وحملة الأمانة ، وحراس المنهاج ، وفرسان الحجاج ، وهم حفاظ النصوص الشرعية ، ومحاربو الطرق البدعية ، كلما تسلق إلى سماء الشرع كاذب ، أحرقوه بشهاب ثاقب ، وصبوا عليه العذاب الواصب ، فتوى في صحيفة ، أقوى من قذيفة ، ومسألة بدليل ، أفضل من مال جزيل ، بفتوى الفقهاء تحقن الدماء ، ويفصل بين الناس في القضاء ، وتقام الحدود ، وتنفذ الشروط والقيود ، ينفذ أحكامهم الأمراء ، ويحترم كلامهم الوزراء ، ويقوم بفتواهم البيع والشراء ، وتجلّهم المحاكم ، وتتزين بهم المواسم ، يوقر الناس ما سطروه ، ويتبعون ما حرّروه ، ويتناقل حديثهم الركبان ، وتطير مسائلهم في البلدان ، يتشوق العالم لأخبارهم ، ويفد الطلاب إلى ديارهم ، ولايتهم لا تقبل العزل ، وقولهم فصل ليس بالهزل ، والناس ينتظرون أقوالهم ، ويقلدون أفعالهم ، تشيعهم الأبصار ، ويدعو لهم الأخيار ، يتباشر الناس بقدومهم ، وينهلون من علومهم ، فهم في الوجود كالتيجان ، وكلامهم كالمرجان ، وهم أئمة الإنس والجان .

{ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ }

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

إذا لم تفقه أسرار الجغرافيا

واعلم أن الأشياخ ، أخبرونا أن الإنسان يتأثر بالتضاريس والمناخ . فأهل الجبال ، أهل صفاء وجمال ، وأهل عاطفة واستعجال ، وأهل الصحراء ، أهل مكر ودهاء ، وصبر وجفاء ، وكلما قرب الإنسان من خط الاستواء ، كثرت حِدّته والبغضاء ، ومن يسكن القطب البارد ، فإنه ثقيل جامد ، ومن يعيش في أرض خضراء ، تجد له رقة ورواء، ولطفًا ووفاء ، ومن كانت داره في أرض مقفرة ، رأيت منه طبائع منكره ، من الغلظة والشدة ، والضيق والحدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت