في الشام يرقد سيف الدولة الملك الهمام ، وابن نباته خطيب الأنام ، وابن قدامة تاج الأعلام ، وأبو فراس الحمداني الشاعر المقدام . وفي دمشق سكن الزهري المحدث الشهير ، والأوزاعي العالم النحرير ، والبرزاني المؤرخ الكبير ، والسبكي القاضي الخطير .
أتانا من دمشق كتاب رياض الصالحين ، وكتاب روضة المحبين ، ونزهة المشتاقين ، وكتاب عمدة الطالبين ، وكتاب مدارج السالكين ، وكتاب أعلام الموقعين .
فسلام على دمشق في الآخرين . ... ... ... ...
(( من لم يدخل بغداد لم يدخل الدنيا ) )
لبغداد العراق دموع صب
تذكّرك الربوع حياة قوم
على عرصاتها ذبنا غراما
هموا كانوا لدنيانا قواما
اجتمع أربعة أدباء ، نجباء خطباء ، فتعاهدوا ، وتعاقدوا ، وتواعدوا ، على أن يصفوا بغداد ، دار الأمجاد ، وبيت الأجواد ، وكوكبة البلاد .
فالأول: عليه وصف علمائها ، وفقهائها .
والثاني: يصف خلفاءها وأمراءها .
والثالث: يصف شعراءها وأدباءها .
والرابع: يصف أرضها ، وسماءها ، وماءها ، وهواءها ، وبهاءها .
فبدأ الأول ويُدعى أبا قتادة ، وهو صاحب ذكاء وإجادة ، وعلم وإفادة .
فقال: والله لو كتبت بدمع العيون ، على صفحات الجفون ، ما أنصفت بغداد على مداد القرون ، لكن سوف أصف ما كان فيها من علم وعلماء ،بلغ مجدهم الجوزاء:
ما الدار بعدَك يا بغداد بالدار
تفنى عليك صباباتي وأشعاري
أنت المنى وحديث الشوق يقتلني
من أين ابدأ يا بغداد أخباري
ولكن أقول ، بعد الصلاة والسلام على الرسول: اعلم أن من بغداد أشرقت شمس الرواية ، وبزغ فجر الدراية ، كانت في العلوم آية ، وفي الفنون غاية . فكان بها أهل الحديث ، ولم يكن بها بعثيّ خبيث .