وكان يجلس صلى الله عليه وسلم للنساء من أيامه ، فيفيض عليهن من بره وإكرامه، وجوده وإنعامه ، فكأنه الغيث أصاب أرضًا قاحلة ، والماء غمر تربة ماحلة، فإذا هو يملأ القلوب حبّا ، والنفوس أنسًا وقُربا ، يبشر من مات لها ولد بالنعيم المقيم ، فتتمنى كل امرأة أنها ذهب لها فطيم ، لِما سمعت من الأجر العظيم .
ويُخبر من تطيع بعلها ، وتُحسِن فِعْلها ، بأن الجنة مأواها ، والفردوس مثواها ، يقف مع المرأة الشاكية ، ويتفجع للأنثى الباكية ، فلو كانت الرحمة في هيكل لكانت في مثاله ، ولو الرفق في صورة لكان في سرباله ، تأتيه المرأة المصابة في خوف وهول ، وفي دهش وذهول ، فما هو إلا أن ترى إشراق جبينه ، ويُسْر دينه ، ولطفه المتناهي ، وخلقه الباهي، حتى تعود عامرة الفؤاد ، حسنة الفأل والاعتقاد .
(( ولتعرفنهم في لحن القول ) )
دهاء يريك الغيب في ثوب حاضرٍ
إذا ظن ظنًَّا صار فينا حقيقة
وفهم كحد السيف أمضى وأصوبا
وإن قال قولًا صار للناس مذهبا
إذا رأيت الرجل يعتاد المقاهي ، لشرب الشيشة والشاهي ، ومجالسة كل لاهي ، فاعلم أن الرجل فاسد الإرادة ، ظاهر البلادة ، لا يساوي جرادة ، ولن ينفع بلاده .
وإذا رأيت الرجل ليلة الزواج ، وهو فاسد المزاج ، يبحث عن علاج ، ويقول فاظفر بذات الدين ، فاعلم أنه ظفر بعابسة الوجنتين ، خشنة اليدين، كل ما فيها شين ، وإذا رأيت الرجل خرج من عند القاضي وهو يتلو: وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ، فاعلم أن القاضي ردّ شهادته ، وهو له من الغائظين ، وإذا رأيت الرجل يجلس في الملهى يقرأ جريدة ، أو ينظم قصيدة ، فاعلم أن حياته غير سعيدة ، أو أنه يبحث عن وظيفة ، ولو سخيفة ، وقد تقطعت به الحبال ، وخابت منه الآمال .
وإذا سمعت الرجل ينشد كثيرًا قول الشاعر:
ومن لم يذدعن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يُظلمِ