فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 303

من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ، والفقهاء أفضل من العابدين . بل فقيه واحد ، أشد على الشيطان من ألف عابد ، والتفاضل ليس بشجاعة الشجعان ، فليس الأسد أفضل من الإنسان ، والإنسان لا يراد منه المصارعة ، بل المحاجّة بالدليل والمقارعة ، وليس المدح بقوة البنيان ، وهل عظمت بقوة أجسامها الثيران ، ولكن العبد يراد منه الفهم ، ويفضل بالعلم ، فإذا فقه الحجة ، وعرف المحجة ، نال السعادة الأبدية ، والفضيلة السرمدية ، وقد عيّر الله أعداءه بعدم الفقه في آياته ، ووصفهم بسوء الفهم لبيّناته . وقد وصف المنافقون بضخامة الأجسام ، والتشدق في الكلام ، لكنهم ذموا بالفهم السقيم ، ووصموا بالرأي العقيم ، فقد حرمهم الله نور البصيرة ، لخبث السريرة ، ولسوء السيرة ، فليس التمايز بكثرة المال ، ولا بصفة الجمال ، ولا بكمال القوه ، ولا بتمام القوه ، إنما التمايز بتفاضل العقول ، في سوق الرد والقبول . فهنيئًا لمن ترك العنق في سيره ونصّ ، واستنبط من النص ، فإن تقليب البصيرة في صفحات الأدلة ، من أعظم حسنات خدّام الملة ، وإن تحديق القلب في مناجم الآثار ، من أفضل أعمال الأبرار ، وهل فاق وبز ، إلا من بالوحي اعتز ، فليس العلم بكثرة الرواية ، ولكنه بالفقه والدراية، وليس الفقه كلامًا يحفظ ، ولا جملًا تلفظ ، بل فهم عن الله وعن رسوله ، ومعرفة القول بدليله ، وليس الفقه حكاية آراء الرجال ، وجمع القيل والقال ، بل الفقه معرفة مقاصد الشريعة ، واستنباط المعاني البديعة . وانظر لابن عباس ، كيف بز الناس ، لما دعا له بالفقه في الدين ، سيد المرسلين ، ولما تكلم الزنادقة ، والفرقة المارقة ، في أصحاب الحديث ، واستهزؤوا بسعيهم الحثيث ، وقالوا: إنهم ينقلون أحاديث ليس لها معاني ، ولا تقوم على مباني ، مثل يا أبا عمير ، ما فعل النغير ، تصدى لهم محمد بن إدريس ، فاستنبط كل معنى نفيس ، فأفحمهم ، وفي كل بلاء أقحمهم ، وقيل لابن عباس ، في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت