فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 303

المدينة تذكرك ببكاء أبي بكر في الصلاة ، وورعه وتقواه ، لو وضع الصخر على بساطه لكاد أن يذوب ، ولو زجر الشيطان بنصحه لأوشك أن يتوب . جمع الفضائل كأنه يسوقها بعصاه ، وحبُّ له في القلوب فلو أشار للجيش هيا إلى الموت ما عصاه .

والمدينة تذكرك بالدولة العمرية ، وتلك المناقب الأثرية ، عدل صار في العالم قصة ، وترك في حلق كل جبار غصة ، وزهد يقول الزهد: لا نستطيع معك صبرا ، وورع يقول له القلب: لا نعصي لك أمرا ، عمر بن الخطاب ، سل عنه المحراب ، بكاء فيه وتفجّع ، ونحيب وتوجّع . وإذا بصاحب هذه الدموع الآسرة ، يهز بهيبته القياصرة والأكاسرة ، معه بردة مرقعة ، وحذاء مقطّعة ، ثم تخفق قلوب الملوك على وقع حذائه ، وينام العدل على طرف ردائه .

والمدينة تذكرك بالوقفات الإيمانية ، في الحشايا العثمانية ، والمعاهد العفانية ، طهر يغتسل في نهره ماء الغمام ، وحياء يصيد بوداعته ورق الحمام ، وسخاء تضرب به الأمثال ، وتعجز عن مجاراته الرجال .

والمدينة تذكرك بسيف الله المنتضى ، وعبده المرتضي ، علي بن أبي طالب أبي الحسن ، الخطيب اللسن ، ناصر الدين والسنن ، بطل الأبطال حيدره ، هازم الكفره ، وصاحب السيرة العطرة .

ما هزني ذكر أشجان وأطلال

لكن هنا المجد والتأريخ قد جمعا

أو خيمة عرضت أو معهد بالي

فاكتب بدمعي آهاتي وتسآلي

إذا قالت روما: عندنا من الملاحم فصول ، وقالت باريس: عندنا ديقول، وقالت لندن: عندنا العالم المأهول ، فإن المدينة تقول: عندنا الرسول .

حي دار الهجرة ، وميدان النصرة ، وأرض الشهداء ، وجامعة العلماء . في ثرى المدينة سيد الشهداء ، حمزة المقدام ، وغسيل الملائكة الكرام ، ومن كلَّمه الرحمن ، وحفظة القرآن ، وزيد بن ثابت إمام الفرائض ، وحسّان بن ثابت شاعر الردود والنقائض، وأُبي بن كعب صاحب الذكر الحكيم ، وفيها من اهتز له العرش العظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت