فقال: هذه مدينة السفاح ، الذي خضب السيوف والرماح ، وكان لكل مجرم بطاح ، ولكل عدو نطاح .
هذه مدينة المنصور ، صاحب الدور والقصور ، الداهية الجسور ، والأسد الهصور .
هذه مدينة الرشيد ، صاحب القصر المشيد ، والمجد الفريد ، والصيت البعيد .
هذه مدينة المأمون ، صاحب الفنون ، وجامع المتون ، ولكنه بالفلسفة مفتون .
هذه مدينة المعتصم المغوار ، الذي أوطأ الخيل الكفار ، وأورد نحورهم كل بتار .
بغداد أنت حديث الدهر والأممِ
إذا مدحتك سال السحر من قلمي
أنت المنى أنت للتأريخ ملحمة
كم من رشيد ومأمون ومعتصمِ
ثم قام الثالث يصف الأدباء ، ويثني على الخطباء .
فقال: في بغداد أكبر ناد ، للشعراء الأجواد ، إذا شرب الشاعر من ماء الفرات ، أتى بالمعجزات ، وخلب الألباب بالأبيات ، سَمِّ لي شاعرًا ما دخل بغداد، اذكر لي أديبًا ما تشرف بتلك البلاد:
بغداد يا فتنة الشرق التي خلبت
بسحرها العقل والأقلام والأدبا
ماذا أردد يا بغداد من حزني
إذا ذكرتك بعت الهم والنصبا
من بغداد أبو تمام ، والبحتري الهمام ، وترنح بها المتنبئ بعض عام .
سجل بها ابن الرومي رواياته ، وأبدع إلياذاته ، وأروع أبياته .
وفي بغداد أبو العتاهية ، الشاعر الداهية ، منذر القلوب اللاهية، وصاحب الرسائل الباهية ، الآمرة الناهية . وهي أرض بشار ، ناسج أجمل الأشعار .
من بغداد انطلقت في البحار والبراري ، رائعة ابن الأنباري: علو في الحياة وفي الممات . من بغداد استمع الدهر في عجبْ ، لدويّ: السيف أصدق أنباء من الكتبْ .
بغداد مهرجان أدبي كبير ، لكل أديب نحرير ، فيها شعر ونثر ، وحصباء ودر ، وصديق وزنديق ، وحر ورقيق ، وموحد وملحد ، وحانوت ومسجد ، وبارة ومعبد ، ومقبرة ومشهد ، جد وهزل ، وحب وغزل ، كأن التاريخ كله في بغداد اجتمع، وكأن الدهر لصوتها يستمع . وكأن ضوء الشمس من بغداد يرتفع .