فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 303

فليس لي حيلة في هذه الطائفة ، التي صارت بالألفة غير خائفة ، إلا أن أشتت قلوبهم ، وأظهر لبعضهم عيوبهم ، وآخذ كل واحد على حدة ، وأعده عدة ، لأترب يده، فجاء إلى الثور الأسود والأحمر ، في ليل مقمر ، وقال يا قوم ، رأيتكم اليوم ، وأنتم في الروض ترعون ، وإلى الغدير تسعون ، فرأيت الثور الأبيض يسبقكم ، وبعين الحسد يرمقكم ، يستأثر عليكم بنبت السماء ، ويزاحمكم على الماء ، فماذا ترون ؟ أفلا تبصرون، قالوا: جزاك الله خيرًا على النصيحة ، يا صاحب اللغة الفصيحة ، والكلمات المليحة ، فأمرنا بما ترى ، وقد خاب من افترى ، فقال في نفسه: وقع القوم في بليّة ، وحانت منهم المنيّة ، ثم طلب منهم الوثوب إلى الثور الأبيض جميعًا ، حتى يرى صريعًا ، فقاموا على حرْدٍ قادرين ، وللموت مبادرين ، فناطحوا الأبيض وحاصروه، وصارعوه وحاجروه ، وبالعداوة كاشروه ، ثم طرحوه أرضا ، ورضّوه رضّا.

فلما أحسّ بالموت ، وأيقن بالفوت ، وفاته القوت ، قال:

هذه الحيلة من نسْج الأسد

يوم يلقانا ببغي وحسد

مصرعي مصرعكم لو تعلموا

غير أن الرأي منكم قد فسد

فلما مات الأبيض سر الأسد وفرح ، وسعد وانشرح ، ثم تركهم لزمن يسير ، وهو يقودهم لسوء المصير ، ثم أتى إلى الثور الأسود ، وقال يا أبا أسعد: هذا الثور الأحمر ، أظنه مغتر ، يخفي لك الشر ، أراه بقرونه يناطحك ، وبالعداوة يصارحك ، فماذا ترى لو عاونّاك ، ومن ظهره مكنّاك ، لنشق نحره ، ونفري ظهره ، فسحباه إلى الغدير ، وليس له من وليٍّ ولا نصير ، فلما أصبح في آخر رمق ، وفؤاده يحترق ، أنشد:

يا عثرة الرأي هذي عثرة القدم

ويا حياتي هذي ساعة الندمِ

يا فرقة مزقتنا حاكها لبقٌ

صرنا بها ضحكة للعرب والعجمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت