فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 303

الموت كأس يدور على الأحياء ، لابد أن يشربه أبناء حواء ، الموت ليس له موعد مناسب ، فهو يأتي القاعد والماشي والراكب ، في ليلة الزفاف ، إذا اجتمع الأضياف ، يقدم الموت بحشوده ، ويهجم بجنوده ، يأخذ العريس أو العروس ، لأن مهمته قطف النفوس ، يهنّأ الإنسان بالإمارة ، ويبارك له بالوزارة ، ثم يشنّ عليه الموت الغارة .

يولد المولود ، ويعود المفقود ، ثم يفجؤ الموت الجميع بروعته، فتمتزج بسمة المحب بدمعته ، يكتمل الاجتماع ، ويلتقي الأحباب من كل البقاع ، فإذا تمت السعاده، وكل قلب بلغ ما أراده ، وصل الموت ففرق الجمع ، وأسبل الدمع .

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب

نؤمل آمالًا ونرجو نتاجها

متى حُطَّ ذا عن نعشه ذاك يركب

وعلّ الردى مما نرجيه أقرب

وقف أحد الصالحين على المقابر ، ودمعه يتناثر ، فقال: يا موت ماذا فعلت بالأحباب ؟ وماذا صنعت بالأصحاب ؟ ثم أجاب نفسه بنفسه ، فقال: يقول الموت: أكلت الحدقتين ، وأفنيت العينين ، ونهشت الشفتين ، وقطعت الأذنين، وفصلت الكفين من الرسغين ، والرسغين من الساعدين ، والساعدين من العضدين ، والعضدين من الكتفين ، وفصلت القدمين من الكعبين ، والكعبين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الوركين .

أتيت القبور فناديتها

تفانوا جميعًا فما مخبر

فيا سائلي عن أناس مضوا

تروح وتغدو بنات الثرى

أين المعظّم والمحتقر

وماتوا جميعًا ومات الخبر

أما لك فيما مضى معتبر

فتمحو محاسن تلك الصور

إذا رأيت قصرًا مشيدا ، وملكًا عتيدا ، وبأسًا شديدا ، فتذكر الموت فإذا القصر تراب ، والملك خراب ، والبأس سراب .

إذا رأيت امرأة حسناء ، أو حديقة غنّاء ، أو روضة فيحاء ، فتذكر الموت فإذا الحسن مسلوب ، والجمال منهوب .

فضح الموت الدنيا ، فلم يدع لذي لب فرحا ، ولكن أين من صحا ، وأصلح فصار مفلحا .

بينا ترى الإنسان فيها مخبرًا

طبعت على كدر وأنت تريدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت