الله سمّى الموت مصيبه ، وأنت عنه في غيبه ، أخذ القوي والضعيف ، والوضيع والشريف ، والغالب والمغلوب ، والسالب والمسلوب ، قبر الغني جوار قبر الفقير ، وقبر المأمور بجانب قبر الأمير .
الموت مباغت لا يستأذن ، ومهاجم لا يُؤمَن ، لا يترك شابًا ليكتمل شبابه ، ولا صاحبًا ليتمتع به أصحابه ، ولا حبيبًا يستأنس به أحبابه ، يفصّل الثوب فيأخذ صاحبه قبل أن يلبس ، ويبنى المجلس فيخترم الموت الباني قبل أن يجلس ، تزف المرأة لزوجها فيهاجمه الموت ليلة الزواج ، يزرع الزارع فيختلسه الموت قبل النتاج ، الموت له صور وأشكال ، ومشاهد وأحوال ، مرة يقتل بسيف أو برمح ، أو داء أو جرح ، أو بعرق ينبض ، أو بعضو يمرض ، أو بحرب هائله ، أو مجاعة قاتله ، المهم أنه لابد منه ، ولا محيص عنه { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ } يصبّحكم أو يمسّيكم ، { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } ، أو دونكم جنود مؤيّده ، كل شيء هالك إلا وجهه الكريم ، وكل حي فانٍ إلا الحي القيوم .
الموت يسقط الطيور ، ويخطف الصقور ، ويلتهم النسور ، يصيد الموت كل عائمه ، ويدرك كل هائمه ، ويجتاح كل سائمه ، يزحف على الحيوانات ، والعجماوات ، والحشرات ، يدخل القصور والأكواخ ، ويصرع الأطفال والأشياخ ، فسبحان من خلق الموت آية ، وجعله نهاية ، وصيره لكل حي غاية . { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ }
زار الرسل والأنبياء ، ووفد على الأصفياء والأولياء ، وطاف على الحكماء والعلماء والأدباء والشعراء ، فسقى الجميع بكأسه ، وهشم الكل بفأسه ، فلا صاحب القصر نجا ، ولا محب الدنيا عمّر ولو رجا ، ولا الكاره له سلم منه ولو ذمّه وهجا ، { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ } .