والرجل كالقمر الوهّاج ، والبحر الثجّاج ، سديد المنهاج ، قوي الاحتجاج ، وهو صاحب قيام وتهجد ، وأذكار وتعبد ، يلازم المسجد ، ويحب أحيانًا العزلة والتوحّد ، لا يفاخر ، ولا تعجبه المظاهر ، ولا يكابر ، ولا يكاثر .
وهو الذي صال وجال ، وغلب الرجال ، في المحافل المشهودة ، والمجامع المحمودة ، وكان يرهبه الملوك، مع أنه يتواضع لكل مسكين وصعلوك.
وقرع بوعظه أسماع الظلمة ، حتى أهدروا دمه ، وعرّض نفسه للأخطار ، وخاض الأهوال الكبار ، وحسْبه الواحد القهار:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا
فأهون ما يمر به الوحول
وكأن هذا الإمام للدنيا عين إنسانها ، وهدية إحسانها ، ضَنّت بمثله الأعصار، وطنت بذكره الأمصار، نحْو سيبويه من شفتيه ينساب ،
ولغة الخليل في فمه تذاب ، كأن المُزَني قطرة من مزنه ، والكسائي درهم في ردنه ، طالب خصومه بقتله فصفح ، وظفر بهم فعفا وسمح ، لو رآه ابن معين، لقال هذا إنسان العين ، ولو أبصره أحمد ، لقال هذا المجتهد المتفرد ، عرف من الحديث المتن والسند ، وما وقف على الظاهر وجمد ، بل غاص في المعاني ، وقطف من أغصانها الدواني ، وكان بمورد الشريعة بصيرًا ، وقد تضلع بها وعب منها ماءًا نميرًا ، عينًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرًا ، ولو أدركه الثوري لكان عنده أثيرا ، وقد مدحه ابن كثير كثيرًا ، وقد ذهب الذهبي يفضل مذاهبه ، ويعظّم مواهبه ، وكان يكتب العقود ، ويحل القيود ، ويقيم الحدود ، وأقام الحسبة في الأسواق ، ونشر معتقد السلف في الآفاق ، وقد انجبر به كسر الدين ، ورفع به عَلَم الموحدين ، وكسرت به قناة الأكاسرة ، وأُرغمت بدعوته أنوف الجبابرة ، وربما خطب عند الولاة بصوت مرتفع ، تكاد القلوب منه تنخلع ، سجن المزّي فأطلقه ، وجادل البطائحي فأغرقه ، ورد على الإخنائي فأشرقه .