ونشأة القراءات غير نشأة علم القراءات؛ وهذا أمر لابد من التنبيه إليه والاهتمام به. فالقراءات وتعدُّدها نشأت نتيجة لتلقي الصحابة رضوان الله عليهم القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ كان يُقرئُ كلَّ واحد منهم بما ييسره الله له، والقرآن أنزل على سبعة أحرف، فقد أقرأ هشام بن حكيم بوجه، وأقرأ عمر بن الخطاب بوجه آخر. فلما سمع عمر قراءة هشام بن حكيم أمسك به من ردائه، ثم أحضره للرسول ³ مستنكرًا منه تلك القراءة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسلْه يا عمر! ثم قال لهشام اقرأ، فقرأ، فقال ³ هكذا أنزلت، ثم قال لعمر: اقرأ، فقرأ، فقال ³: هكذا أنزلت، ثم قال: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه ) متفق عليه. وهذا أمرٌ لم يقف عند هشام وعمر وحدهما، وإنما حدث لأبيّ بن كعب، وأبي هريرة وغيرهما، وجميعُهم يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفصل بينهم، مما يدل على أن نشأة القراءات سبقت كتابة المصحف، وفي هذا ردٌّ على المستشرقين ومن وافقهم ممَّن قالوا: إن نشأة القراءات جاءت نتيجة خلوِّ كتابة المصحف من نقط الإعجام والإعراب، فيردُّ عليهم بأن القراءات قد نشأت قبل كتابة المصحف وفي حياة المصطفى ³.
أمَّا علم القراءات فقد نشأ متأخرًا بعد أن تعدَّد أئمة القراءات وتفرقوا في الأمصار، وأصبح لكل جهة إمامٌ يقرأُ الناس بقراءته، واحتاج الناس إلى تدوين هذه القراءات وأئمتها وما يتعلق بذلك.
وقد كان أهل الصدر الأول يعتمدون على حفظهم دون تدوين، فخشي الناس من التخليط في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل من حكيم حميد.
فكان أبوعبيد القاسم بن سلام، أول من جمع القراءات في كتاب، وجعل لها خمسة وعشرين قارئًا، أي إمامًا للقراءة. سوى السبعة المشهورين الذين عرف بهم ابن مجاهد على ما سيأتي.