ثم جاء مِن بعده من اقتدى به، وسلك مسلكه، فظهرت المؤلفات في علم القراءات، تختلف في الطول والقصر؛ إذ ظهر أحمد بن جبير الذي ألفّ كتابه في القراءات الخمس من كل مصر إمام، والأمصار آنذاك هي: المدينة ومكة والشام (دمشق) والبصرة والكوفة.
ثم ظهر القاضي إسماعيل بن إسحاق الأزدي صاحب قالون، فألفّ كتابًا فيه قراءة عشرين إمامًا، ثم جاء أبوجعفر محمد بن جرير الطبري فألفّ كتابه الجامع الذي ضمَّ ما يربو على عشرين قراءة.
وهكذا عني العلماء بالقراءات ضبطًا وتدقيقًا حتى ظهر العالم الجليل القاسم بن فيرُّه الشاطبي الأندلسي، الذي ألَّف حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع المعروف بالشاطبية، فسارت به الركبان، وبقي مستمرًا مع الأزمان.
تلا ذلك شيخ المشايخ الذي وصف بأنه لم تسمع العصور بمثله: محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن الجزري، الذي ألّف كتاب النشر في القراءات العشر كما نظم طيبة النشر في القراءات العشر وشرحها ابنه.
المسلمون.من أهم واجبات المسلمين أينما كانوا تعلم القرآن الكريم. يبدأ أطفال المسلمين بحفظ أجزاء من القرآن عن ظهر قلب وفي وقت مبكر من حياتهم التعليمية. في الصورة شيخ يعلم الفتيات القرآن في مدينة فتح بورسيكري ـ أتربرادش ـ بالهند.
وهكذا ظلَّ العلماء يحافظون على تدوين ما يتعلق بالقراءات وأئمتها، فنشأ علم القراءات بداية متواضعة حتى اتّسعت دائرته؛ فظهرت المؤلفات التي تجمع أصول القراءات واختلاف القراء القائم على التلقي، لا على صلاحية الرسم القرآني لذلك، كما أدَّعى المستشرقون ومن سار في ركابهم. كما ظهرت المؤلفات التي جمعت أئمة القراءات ووضعتهم في طبقات كما فعل الإمام شمس الدين الذهبي والإمام شمس الدين بن الجزري في طبقات القراء. فأصبحت بين أيدينا مصنفات وموسوعات حتى زخرت المكتبة الإسلامية بتراث عظيم، ومؤلّفات تتعلق بالقراءات ووجوهها وأئمتها ورواتها وطرقها التي فاقت الحصر والعدَّ.