لم تجد هذه الدعوة القبول من أهل مكة، إذ إنها كانت تهدد مصالحهم الدينية والتجارية والاجتماعية بل والسياسية أيضًا. فعارضوها واشتدوا في معارضتها وفي إيذاء واضطهاد الذين آمنوا بها، مما دفع ببعض المؤمنين إلى الهجرة للحبشة أولًا ثم هجرتهم جميعًا مع النبي محمد ³ إلى يثرب (المدينة المنورة فيما بعد) في عام 622م. وكانت الهجرة إلى المدينة حدثًا فاصلًا في تاريخ الإسلام، أدت إلى تحول الإسلام من مرحلة الدعوة والاضطهاد إلى مرحلة الانطلاق والتطبيق؛ حيث تمكن النبي محمد ³ من إقامة أمة الإسلام ودولته في المدينة، التي كانت النواة للدولة الإسلامية في العصور اللاحقة. واستمر الإسلام يقوى وينتشر من المدينة وحواليها، وماهي إلا سنوات قلائل حتى استسلمت مكة للنبي ³ وصحبه، فدخلوها منتصرين عام 8هـ، 630م، حيث أزالوا من الكعبة الأصنام، وكل مظاهر الشرك، وأصبحت مكة مع المدينة، مدينتي الإسلام المقدستين.
التحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى في ربيع الأول عام 11هـ، 633م، وبوفاته واجهت أمة الإسلام الوليدة مشكلتين، مشكلة من يخلفه في حكم الأمة، ومشكلة الردة. وقد تغلبت الأمة على المشكلتين، فاختير أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لرسول اللهلله، وكان بذلك أول الخلفاء الراشدين، وتمكن أبوبكر من محاربة وهزيمة المرتدين الذين رفضوا دفع الزكاة إلى الخليفة. وفي عهد الخليفة أبي بكر، استمرت حركة الفتح الإسلامية التي خرجت بالإسلام من الجزيرة العربية إلى بلدان الهلال الخصيب المجاورة، واستطاعت في النهاية ـ وبعد أن تابعها الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب، والثالث عثمان بن عفان ـ هزيمة الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، ففتحت سوريا والعراق وفلسطين ومصر. واستمرت حركة الفتح متصلة الحلقات، على عهد الدولة الأموية والدولة العباسية، حتى وصل الإسلام إلى أسبانيا غربًا وإلى الصين شرقًا.