من أجل ذلك الخلق الأقوم كان حزن الإنكليز على مليكهم خالصًا من الرياء الرسمي، صادرًا عن الشعور الصادق بالحب لرجل غلّب الأبوة على المُلك، واستغنى بالطيبة عن البراعة، وسد بكمال الخلق نقص القدرة
وكان الشاعر كبلنج مفتونًا بعظمة الإمبراطورية؛ صاغ من نسبها النضار شعره، وألف من لجبها المتناسق أغاريده؛ ثم شدا بالمجد الطوّاف على أثباج الماء، وهتف بالنصر الرفاف على وجوه الأرض، وجعل من شعره الجواب نشيدًا قوميًا تردده الآفاق البريطانية كما تردد نشيد الملك!
ولد كبلنج في بلاد قال فيها: (إنها أعجب بلاد خضعت للمخلوق وفتحت للخالق) : ولد في الهند ببمباي كما يولد الهنود، ولكنه وعى فوجد نفسه سيدًا، ووجد الهندي الذي ولد معه عبدًا، يعيش على كده وهو ناعم بين وِسكبِه وحسانه، ويرقى على ظهره إذا همّ بركوب حصانه! الخلقة هي الخلقة، والبيئة هي البيئة، والطبقة هي الطبقة، ولكن كبلنج رأى بشرته ودمه من لون العلم الخفاق، ورأى بشرة الهندي ودمه من لون الأرض المستغلة، فأدرك علة الامتياز وسر التفوق: عرف أن البريطاني بحكم الجنس قد يدعى ذكيًا وهو فدْم، وكيّسًا وهو أخرق، وكافيًا وهو عاجز، وسابقًا وهو متخلف، فاستهام بهذه القوة التي تشع مع الشمس في كل أفق، وتنتشر مع الحياة في كل قطر، وتنبسط على حواشي البر والبحر أمنًا وحماية، فحبس على إعلان مفاخرها لسانه، ووقف على تسويغ عدوانها عقله؛ فموه حجج الاستعمار بالشعر، وألهب سعار العصبية بالحماسة، وشوه جمال الوطنية بالأثرة، وجعل الأدب وهو شعاع الروح دليلًا لبغي القومي ولؤمه، ومهد لأساطيل الطغيان، استبعاد الإنسان للإنسان، بحجة (أن الشرق شرق والغرب غرب فلا يلتقيان) إلا على شر، ولا يفترقان إلا على ثأر!
من أجل ذلك الإخلاص الملهم كان مرض كبلنج تحت الرعاية الملكية، وكانت جنازة كبلنج جنازة (شبه رسمية) !
إن في مثل سياسة الملك جورج لأمانًا من طغيان الرءوس وثوران النفوس، وقيام الدعوات الباطلة، وشيوع المذاهب الجريئة، وانقلاب الحكم في الدولة، واضطراب السلم في الأمة، واغبرار العيش في أوجه العامة. إن في مثل أدب الشاعر كبلنج لروحًا مزهوة تعتلج