هذه هي المقبرة، وقد لاحت من بعيد شواهد القبور، فأفلتت مني ضحكة أعرفها من نفسي كلما جاشت فيها خواطر، واحتدمت ضحكة يحسبها الذين معي أنها استخفاف بالذي أرى أو انصراف عما أرى، وهي ضحكة النفس التي أسأمتها صور الحياة المتشابهة، وقد أفرحها أن ترى الحياة والموت متجاورين، فلا الموت جعل مظهر الحياة عابسًا، ولا الحياة جعلت مظهر الموت تافهًا. . . ضحكة الذي رأى الحياة وقد حنت على الموتى، فجملت لهم مساكنهم وزينت لهم حدائقهم، بل ضحكة الذي سره أن يرى مظاهر الحب الإنساني وقد تجسدت تماثيل وشواهد. . بل وقد تضوعت زهورًا وعطورًا. . .
هذه هي مقبرة جنوى. فأي فرحة شملت نفسي! وما بالي أرى الدنيا من حولي ضاحكة؟ هل أستخف أمام الموت بالموت الذي جمع في هذا المكان مئات الألوف من الموتى: صبيانًا لم يتجاوزوا العقد الأول من أعمارهم، وفتيات صبايا أرى صورهن على قبورهن فأرى وجوهًا تترقرق بماء الحياة وتفيض بفتنة الأنوثة. . . ورجالًا قصف القدر عمرهم وعلى أكتافهم عبء عمل ناضج؟. . .
الشمس في السماء شمس رحيمة لا تحرق البدن، ولا تلفح الوجه؛ تحف بها السحب، والمكان هادئ لا جلبة حتى ولا بكاء. . وأنا مستغرق في تأملاتي، وأخواني قد سبقوني وأصواتهم تصل إليّ من بعيد! لقد هدأت نفسي، وذابت في أعماقها الضحكة التي كنت أسمعها بإذني صوتًا، ويراها صحبي بشرًا. . . ما بال الدموع قد ملأت عيني؟ ما بالي لا أرى شيئًا، ولا أسمع شيئًا. .؟
لقد أفقت على وقع أقدام من بعيد: أقدام تطرق الأرض طرقًا حادًا، ولكنه رفيق. . . عاليًا، ولكنه موزون. . فما تحركت ولا تركت مكاني، بل بقيت مسترسلًا في هذه الخواطر التي لم أكن أعرف لونها ولا سرها، لأنها كانت تبدو لتختفي، وتتعارض وتتقابل، وتجتمع وتفترق، وتهدأ وتشتد. . خواطر أشبه بهواجس النائم الذي شغلت ذهنه قبل نومه ألف فكرة، فتحركت جميعًا حينما أغفى
لعلي لمت نفسي وأنا مطرق على قسوتها على الذين أحبوني وأخلصوا الحب، فشغلتني عنهم شواغل الحياة، فتألموا صامتين، وودعوني عند السفر باكين، بل صابرين. . . أو لعلي لمت نفسي إذ رسمت لنفسي طريقًا محفوفًا بالصعاب، فوهنت حينًا، وأغفيت حينًا،