هما يدخلان سمعا صوت بستور خافتًا يأتي من تحت السلم من بيت الدجاج وهو يصيح بهما: (رو! شمبرلاند! انزلا إليّ وأسرعا!) وكان بستور يسبقهما دائمًا إلى المعمل بساعة أو نحوها
ونزلا إليه فوجدا أمام الأقفاص يذرع الأرض بخطواته. فقال لهما: (انظرا! إن الدجاج الجديد الذي حقناه أمس مات. وكان يجب أن يموت. ثم انظرا إلى هذا الدجاج القديم الذي كنا حقناه من شهر مضى، فمرض ثم طاب، هذا الدجاج أخذ بالأمس نفس الحقنة القاتلة التي أخذها ذلك الدجاج الجديد، ولكنه لم يمت. . . لقد قاوم فعل الحقنة أتمّ مقاومة، إنه فرح مرح. . . إنه يأكل!)
فاختبل رو وشمبرلاند، وانبهم عليهما الأمر حينًا. فقال بستور: (ألا تدركان مغزى هذا؟ مغزاه أني وجدت كل ما أردت! لقد وجدت الآن كيف أعطي الداء قليلًا إلى الحيوان - قليلًا بحيث يمرضه ولا يميته فيشفى وشيكًا. . وكل الذي علينا أن نعمله هو أن ندع هذه المكروبات الحادة القاسية تشيخ في زجاجاتها. بدل أن نستخرج منها بالزرع أنسالًا كل يوم. . . إن المكروبات تَقدُم فتشيخ فتهدأ حدتها، وتضعف ثورتها، فإذا أنت حقنتها في الحيوان أعطته مرض الكوليرا، ولكن بعضًا قليلًا منه لا كله، فإذا طاب استطاع بعد ذلك أن يصمد لأخبث مكروب في العالم. . . فإنما تريان أن فرصتنا في هذا عظيمة؛ وأن هذا أخطر اكتشافاتي، هذا اللقاح الذي كشفت، وهو أكثر تأكدا من لقاح الجُدري وأكثر منه حظًا من العلم، فالجدري لم ير أحد له جرثومة. . . فهيا بنا نطبق هذا على داء الجمرة. . . وعلى كل الأدواء الخبيثة. . . ونخلّص حياة الإنسان والحيوان!)
لقد كان الذي وجده بستور مصادفة واتفاقًا، فلم يكن من تدبير العقل الإنساني. ومع هذا فلو أن رجلًا دون بستور قدرًا وقع على الذي وقع عليه لقضى السنين الطويلة يحاول تفسير هذه الظاهرة الخفية لنفسه دون أن يأتي أمرًا مذكورًا، أما بستور فما كاد يقع اتفاقًا على حماية دجاجتين حقيرتين من جرثومة قتالة حتى رأى في هذا فرصة سانحة عظمى لحماية بني الإنسان من الموت، فابتدع عقله الوثاب طريقة جديدة يختل بها الطبيعة التي شاءت أن يستسلم بنو الناس كلما هبت عليهم تلك بالعداء أحياؤها الصغيرة