والشكوكيين والمنحطين الذين يئنون ويقولون (ما الحياة إلا شقاء) ، لهؤلاء يجب أن يقول العاقل (إذن! ضعوا لحيتكم وآلامكم حدًا تنتهي تنتهي عنده وآلامكم، ولتكن شريعتكم مبنية على هذه الكلمة(الانتحار واجب، والانهزام من الحياة واجب) ، إذ لا ينبغي للأرض أن تغدو دارًا آهلة بالمرضى والبائسين، حيث يفني الإنسان الخالص الجوهر سأمًا وشفقة. إذا أردنا أن نستنقذ السلالات الآتية من مشاهد الفاقة والشناعة فلنترك الموت ينزل بمن هو ناضج للموت. ولتكن فينا جرأة على ألا نصرف الساقطين عن السقوط؛ لندفعهم ولنقذف بهم قذفًا حتى يهووا سريعًا. ينبغي للعاقل أن يعرف كيف يتحمل مشهد الألم عند الآخرين، وأن يعرف كيف (يؤلم) ويبث الألم دون أن تجد الشفقة إلى قلبه سبيلا.
هذا هو ما تطلبه النفس العظيمة. يقول زرادشت: (أبالغ أنت شيئًا عظيمًا إذا لم تشعر بقوتك وإرادتك التي تعاقب بآلام كبيرة. عرفانك أن تتألم، هذا شيء حقير؛ فالنساء الضعيفات والعبيد يصبحون أسيادًا في فن الألم. ولكن ثبات جأشك وعدم انحنائك أمام المصائب المؤلمة والصيحات المؤلمة، هذان هما مظهر العظمة وسرها الصريح) .
ينبغي للعاقل أن يتصف - في كل فصول حياته - بطهارة الطفل اللاعب، وصفاء الراقص الباسم، وهناء اللاعب المجدود، وفي مثل (الاستحالات الثلاثة للروح) ينبئ زرادشت بأن النفس الإنسانية يجب أن تكون في استحالتها الأولى (بعيرًا) يحتمل بصبر أثقل الأعباء على ظهره، حتى يستطيع أن يجمع الشيء الكثير من التجارب، ثم يستحيل (البعير أسدًا) يجأر قائلا: (أنا أريد!) ويتوعد بمخالبه الحادة كل من يحاول العبث بحريته. يجب عليه أن ينتصر على تنين الشريعة المكتوب على كل جزء من جسده بأحرف ملتهبة (يجب عليك!) ثم يسرع في نزع أثقالالمثل الأعلى والحقيقة والخير عن ظهره مما كان يظن حمله خيرًا له، وأخيرًا، لكي يستطيع أن يدخل في دور (الإنتاج والإبداع للقيم الجديدة) بعد تهديم القيم القديمة، يجب عليه أن يستحيل طفلا يلهو ويلعب؛ (إن الطفل هو صفاء ونسيان، هوأبتداء، هو لعبة، هو دولاب يدور بنفسه حول نفسه) . وهكذا يجب على النفس التي تتوق إلى الصعود فوق قمم الحكمة أن تتعلم أن تلعب، وأن تفرح وتمرح طاهرة صافية، يجب أن تكون خفيفة غير واعية تنعتق من التشاؤم والكآبة، ومن كل ما يجعل حياتها سحابة دكناء.