عنها. منها الغاية العسكرية، فبعض الدول تقصد من وراء استعمارها بلدًا ما إيجاد قواعد ارتكاز وحركة لجيشها وأسطولها، وبعض الدول لا تكتفي بذلك بل تعمل على إيجاد جنود من أهل البلاد المستعمرة تضيفه إلى جيشها معززة به قواتها المحاربة، وقد تجللت هذه المطامع في الحرب الكبرى، إذ حاولت كل دولة من الدول الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من مستعمراتها، فلم تكتف باستنزاف الثروة منها واستغلال خيراتها لمعيشة جنودها، بل عملت على أخذ أفراد من أهالي المستعمرات زادت بهم جيشها.
وإني لأذكر المارشال (ليوتي) الذي يعتبره الفرنسيون مؤسسًا للإمبراطورية في أفريقية الشمالية، وقد أسهب هذا القائد الكبير في الخطبة التي ألقاها عند دخوله عضوًا في الأكاديمية الفرنسية في وصف (فوائد المستعمرات للجيش) وأعترف بأن أبناء المستعمرات الذين جندوا في خلال الحرب العالمية قد وفروا على فرنسا بما قدموه من تضحيات بأرواحهم ملايين من الأنفس الفرنسية)
وزيادة على ذلك فقد بين المارشال ليوتي في خطبته أن فرنسا استفادت من مدرسة المستعمرات استفادة كبيرة من جهة (تكوين الضباط والقواد) أيضًا، لأن جل قوادها الذين بلغوا بها إلى النصر الأخير قد نشأوا في بيئة المستعمرات، وشب كبار رجالها على المعيشة في البلاد المستعمرة فنشأوا خير نشأة لأن حياة المستعمرات تربي في المستعمر الناشئ القوة المعنوية التي هي دعامة من دعامات الجيش. فالقادة المستعمرون في بلاد الاستعمار يضطرون إلى التذرع بالحزم والتدرب على اتخاذ القرارات الآنية وهم بذلك يتكونون رجالًا أشداء في عقولهم وأخلاقهم.
إن الكتاب والمفكرين من رجال الاستعمار لا يقفون عند هذا الحد في تعداد فوائد المستعمرات، بل يسترسلون في شرح فوائدها المعنوية أيضًا، فيقولون إن المستعمرات لا تكون للدولة المستعمرة مناجم ثروة مادية فحسب، بل هي مباءة استغلال للقوة المعنوية أيضًا، إذ تجد هذه الأمم في المستعمرات مجالًا واسعًا للجد والنشاط والإقدام فيزدهر أملها المرجو في المستقبل. فإن الأمم القانعة بحدودها تعتاد التراخي والكسل، بينما تغير المستعمرات نفسية الأمة وتخلق فيها نشاطًا حيًا وآمالًا جديدة، ويمكننا أن نشبه تأثير المستعمرات في نفسية الأمم بتأثير الأولاد في نفسية العائلات، فالولد ينشئ للعائلة أمل