عن هذا القانون الإلهي مرّ بدور تاريخي حتى أن بعض المؤلفين المسلمين عنونوا مؤلفاتهم (بتاريخ التشريع الإسلامي) ؛ وقد جهد علماء أوربة ببحث هذا التطور دون أن يكون لهم بمسائل العقائد شغل، وتناولوا بهذا الروح تاريخ الشريعة، والعلماء المسلمون أنفسهم، على الرغم من اعتقادهم بقدسية الشريعة وصبغتها الإلهية، يسلمون بأن أحكامًا من أحكامها كانت موجودة فعلا في شرائع أخرى قبل أن يقرها التشريع الإسلامي؛ ولنضرب لذلك مثلا واحدًا هو القصاص، فأن مبادئه التي عدلها وأكدها القرآن والسنة ترجع إلى القوانين العرفية عند العرب قبل الإسلام. فالعلم الأوربي يبحث فيما يسمى بالعلاقات بين الشريعة والشرائع التي سبقتها بهذا المعنى التاريخي المحض - ذلك المعنى الذي لا يضير ما في علم أصول الفقه الإسلامي من الحقائق، ومعلوم جيدًا أن العلماء المسلمين أنفسهم يطبقون على الأسانيد قواعد نقدية، وهذا النقد الذي وسَّع النقاد من علماء أوربة دائرته، وذهبوا فيه بعيدًا، قد بات أداة للعمل لا يستغني عنها العلم الأوربي - أداة ليست سلبية محضة، بل قد أعانتنا على تقرير صحة الكثير من الأحاديث. في هذا كله يمكن أن يوجد، بل يوجد فعلا اختلاف كبير في الأساليب والنتائج بين علماء الشرق والغرب، ولكن لا وجود لخلاف جوهري، لأن مبادئ عقائد الإسلام لا تؤثر في دراستنا التاريخية للشرع الإسلامي. هذه المدرسة الأوربية لا تقف عند حدود الشريعة، التي تلتزم غايتها الأساسية بطبيعة الحال، بل تتجاوزها أبحاثها إلى وجهات عدة، فتتناول القوانين الأخرى المتصلة بالشرع الإسلامي اتصالا مباشرًا، سواء أكان ذلك باندماج سنن تلك القوانين في الشريعة الإسلامية بالمعنى الذي أسلفنا بيانه، أم كان بتأثير الشريعة في تلك القوانين والسنن، والمقصود بذلك قوانين العرب أيام الجاهلية من جهة، وقوانين الشعوب التي دخلت في دولة الإسلام من جهة أخرى؛ مثال ذلك هو التشريع الخاص بالأسبان المسيحيين الذين يتكلمون العربية وهم المسمون بالمستعربين. ويتناول الدرس أيضًا موضوعًا واسعًا، هو العرف القائم بين الشعوب الإسلامية نفسها. إننا نعلم أن هذا العرف الذي يطلق عليه أسماء مختلفة كالعادة والقانون والدستور الخ قد نشأ إلى حد ما في بلاد الإسلام تقريبًا، إلى جانب الفقه المعترف به رسميًا؛ وشرح تاريخ هذا العرف وبيان علاقته بالشريعة أمر لا غنى عنه في تفهم جملة الحياة التشريعية عند الأمم الإسلامية تفهمًا صحيحًا؛ وقد شهدنا في خلال السنوات الأخيرة تطورًا جديدًا في العلاقات