القائمة بين الشريعة والقانون بتلك التعديلات التي أدخلتها مصر على الأحوال الشخصية. وأخيرًا فالعلماء الأوربيون يعنون بالمظهر الاجتماعي للشرع الإسلامي، لأن الشريعة الإسلامية أحسن مثال وأهم مظهر لما يسمى (بالقوانين المقدسة) . وبهذا لا نريد مطلقًا أن نضع الشريعة في مستوى واحد مع سائر الشرائع، بل نحرص كل الحرص على إظهار خواصها الفردية ابتغاء الوصول إلى تقدير مركزها الفريد بين الشرائع والقوانين الأخرى. فإذا كان علمنا يضع الشريعة في أفق أبعد زاعمًا أن تلك الشريعة ليست حقيقية شاذة لا علاقة لها بما حولها، فإنما نفعل هذا لكي ندرسها أوفى درس ممكن من كل جهاتها. كذلك لا يهمل العلماء في أوربا درس الشرع الإسلامي على طريقته التقليدية الخاصة، فإن هذه الدراسة شرط لازم يمهد لكل بحث تاريخي. ولعل في هذه الملاحظات التمهيدية ما ينيلكم فكرة عامة من هذه الوجهة الهامة من بحوثنا وغاياتنا
وقبل المضي في التفاصيل قد يحسن أن أقول كلمة عن تاريخ هذه الدراسة في أوربا. فوجودها يرجع إلى عهد قريب لأنها مدينة بأصلها للنهضة العظيمة التي تناولتها البحوث الإسلامية في أوربا في النصف الثاني من القرن الماضي. والمشجعان الكبيران على البحوث الإسلامية العامة هما في نفس الوقت واضعا أساس البحث العلمي في الشرع الإسلامي، وأعنى بهما الأستاذ المجري الكبير (توفي في سنة ألف وتسعمائة وواحد وعشرون) والأستاذ الهولندي المحترم الذي بلغ أخيرًا الثامنة والسبعين من عمره، والى اسمي هذين الصديقين الجليلين يجب أن نضيف اسم عالم ألماني قضى قبل الأوان في سنة ألف وتسعمائة وثلاث وثلاثين في الخامسة والأربعين من عمره، واعني به المرحوم المأسوف عليه الأستاذ وإني لأعتبر نفسي تلميذا لـ , وأنا شاعر بجميلهما أعمق الشعور، فخور بهما حق الفخر
إن أولى المسائل الخاصة التي سأعالجها هنا تتعلق بالقانون العرفي عند العرب في زمن الجاهلية، وهو كالأرض التي كانت تنمو عليها شجرة الشريعة العظيمة، ولهذا السبب فإنه يدخل في نطاق أبحاثنا كما ألمعنا آنفًا. هنالك رأي سائد إلى اليوم يعتبر الحياة القانونية في جزيرة العرب قبل الإسلام مما لا يمكن درسه لانتفاء المصادر المباشرة، ويزعم أن تلك الحياة كانت فطرية بسيطة بحتة. ولقد مكنتنا أبحاث السنوات الأخيرة القائمة على الانتفاع