والصابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).
ولم تكن الصدقات تفضلًا من ذوي اليسار على ذوي المتربة يؤدونها تارة، وينكرونها أخرى، بل كانت فرضًا محتومًا يخرجونه من أموالهم عينًا كانت أو عروضًا، ثابتة أو منقولة. (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين، وفي سبيل الله، وأبن السبيل، فريضة من الله والله عليم حكيم) .
وأصرح من هذا قوله تعالى:
(إن الإنسان خٌلِقَ هلوعًا، إذا مَسَّه الشرُ جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حقٌ معلوم للسائل والمحروم) .
ولما كان حب المادة متأصلًا في النفوس البشرية منذ كانت في عصور الظلام رأى محمد عليه السلام أن طالب المادة لا يشبع، وأن الروح لا بد لها من غذاء، ولقد كانت حياته هو نموذجًا لتغذيه الروح، وتجنب زخرف الحياة، ومع هذا فلم يحث القرآن الناس على ترك الدنيا؛ لأن الإسلام دينُ عملي يتمثل في الآية:
(ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسِنُ كما أحَسنَ الله إليك) ، ويتمثل في الأثر: (أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، وأعمل لآخرتكَ كأنك تموت غدًا) . وإنما كان القرآن يعقد تفاضلًا بين الحياة الدنيا والآخرة مخافة أن يطغي حب المادة على الروحانيات، ولهذا يقول تعالى:
(المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملا) ويقول عز وجل: (وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) .
ولما كان العقل قد طال ركوده نفخ محمد عليه السلام في تلك الجذور المطمورة حتى عادت شعلة ملتهبة، ولهذا كثر توجيهه الناس إلى التفكير فيما حولهم من بدائع المخلوقات حتى يحرك أذهانهم: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) .
ولما كان العرب في عهده أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب حثهم على التعلم، رافعًا من شأن العلم