فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 43494 من 65521

للأستاذ زكي نجيب محمود

رحم الله يومًا كانت فيه النفس ساذجة يافعة، تسير مطمئنة في طريق لا تلتوي وسبيل لا تجور، وتثب إلى الإيمان بما يروى أو يذاع وهي آمنة في حصن منيع من الرضى، لا تنفذ خلاله خلجة من الشك أو نزعة من الجحود والإنكار

ولعن الله يوما أزيل فيه ما ران فوق البصيرة من غشاء، فقد ودعت النفس عندئذ تلك الطمأنينة الراضية. واستقبلت شكا ملحًا مضنيًا يمقت راحة التصديق، ويأبى هدوء الإيمان، ولا يطمئن إلى ما تواضع الناس عليه، لا يفرق في ذلك بين معقول ومنقول، فقد غدا كل شيء موضعًا للتفكير وخاضعًا للشك والرفض والإنكار

قال ذلك صاحبي وهو يتحدى أن يكون في العالم حقيقة واحدة تبلغ حدًا من التعيين يستعصي على الشك ولا يلين للنقد والرفض، ويهزأ بتلك البدائه التي نزلت عند الناس منازل الإيمان. وكان يسائلني في شيء من السخرية: هل يمكن أن تكون للعقل كرامة موفورة في الاستسلام والرضى؟! فهو يستمرئ مرارة الشك، ولا يعدل بعبئه المضني جنات عرضها الأرض والسماء، ولو أنه كان يود أن لم يكن ذلك الشك، وأن تزل تلك السذاجة البريئة المطمئنة الراضية

قال محدثي: قد تظن أنك تعلم طائفة من المعارف لا يحدها حصر ولا عدد، تبلغ ألوف الألوف، بل ألوف الملايين، كلها ثابت لا تزعزع يقينه عواصف الشك مهما بلغت من قوة وبأس. انظر! هذا مقعد، وتلك مائدة تنتثر عليها طائفة من الكتب، وهذه نافذة تستطيع أن تشهد خلال زجاجها شمسًا ساطعة وسماء زرقاء، وسحبًا وكفاء تسير الهوينا مع الريح. . . نعم، وهاأنت ذا تصيح فتسمع صوتًا ينبعث هنا وجلبة تضطرب هنالك، هذه أبواق سيارات تصبح فيتبينها سمعي وسمعك على السواء، وذاك صراخ أطفال يلعبون ويمرحون. . . هذه أصابعك تنزلق فوق المائدة فتصادف جسما صقيلا ناعمًا، ثم تمر على شعرات الفرجون فلا تشك في خشونتها. . . نعم! لقد يخيل إليك أنك تعلم هذا كله، وتعلم آلافًا من أشباهه علم اليقين، بل وتعلم فوق هذا كله طائفة من الحقائق المركبة المعقدة، أفلا تعلم أن الشمس تكبر الأرض، وأنها تشرق كل صباح وتغرب كل مساء لدورة الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت