فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 42438 من 65521

المارسلييز

للقصصي الروسي ليوفيداندرييف

ترجمة الأستاذ شكري محمد عياد

كان نكرة؛ له روح أرنب واستسلام دابة. وعندما رماه القدر بسخريته اللئيمة بين صفوفنا السود، ضحكنا كالمجانين حين فكرنا أن مثل هذه الأخطاء الشنيعة الفاحشة ترتكب حقًا. أما هو فقد بكى. وما رأيت قط رجلًا تهمي من عينيه الدموع بهذا اليسر والوفرة. كانت تسيل من عينيه وأنفه وفمه، كان أشبه بإسفنجة غمست في الماء ثم اعتصرت. ولقد رأيت في صفوفنا رجالًا يبكون، ولكن دموعهم كانت نارًا تجفل منها الوحوش الضارية. كانت تلك الدموع الجبارة تسرع بالوجوه إلى الهرم ولكنها ترد العيون شابة من جديد. كانت أشبه باللابة المنطقة من أحشاء الأرض الملتهبة، تترك على سطح الأرض آثار الحريق، وتدفن تحتها مدنًا بأسرها من الخدع الحقيرة والهموم التافهة. أما هذا الفتى حين يبكي لا يحمر أنفه ويبتل منديله؛ ولعله كان يعلق مناديله صفًا لتجف؛ فقد كنت أسائل نفسي أبي له كل تلك المناديل؟

كان طيلة عهد النفي يلجأ إلى ذوي السلطان الحقيقي أو الموهوم، ينحني ويبكي ويحلف أنه برئ، ويتوسل إليهم أن يرحموا شبابه، ويعاهدهم ألا يفتح فاه طوال عمره إلا ضارعًا أو شاكرًا. ولكنهم كانوا يضحكون منه كما كنا نفعل، ويسمونه (الخنزير الصغير الحقير) ، وينادونه: تعال يا خنزير! فيهرع إليهم خاضعًا، راجيًا في كل مرة أن يسمع نبأ عودته إلى وطنه ولكنهم كانوا يهزلون. كانوا يعلمون مثلنا أنه برئ، غير أنهم يظنون إذ يعذبونه أنهم يرهبون غيره من الخنازير الصغيرة، كأن هذه الخنازير الصغيرة في حاجة إلى مزيد من الخور. ولقد يأتي إلينا يدفعه فزع حيواني من الوحدة، ولكن وجوهنا كانت صلبة لا تلين، وكانت مغلقة من دونه، وعبثًا كان يبحث عن المفتاح؛ فإذا حار في أمره دعانا رفاقه وأصدقاءه، ولكنا نهز رؤوسنا ونقول:

-حذار! قد يسمعك أحد!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت