نظرية الفصل وماذا يريد القائلون بها؟!
لا أريد بهذا المقال أن ألتقي مع المتلاحمين في معركة (وحدة الوجود)
فحسب هذا الميدان من فيه، وما أنا محاول كذلك فتح (جبهة ثانية) بعد
أن انسحب الدكتور زكي محتميًا بما قاله عن ظروف حرية الرأي في
مصر، وهو احتماء غير كريم. . .
إنما هي كلمة هادئة إلى هؤلاء الذين نادوا وينادون بنظرية عجيبة، يذوبون هياماٍ بإشاعتها، ويلبسونها قفازًا في أيديهم، يلفون به في كل معركة، عندما يعوزهم الدليل والبرهان. . .
ففصل العلم عن الدين غرام أنهك داؤه قلوب قوم أولعوا به، إذ وجدوا فيه رفعًا لالتزامات، لا تستطيع أعصابهم احتمال الوقوف عند سدها القائم لصد النزوات، ورد الهفوات - هذا الميزان العلمي، لضبط الفضيلة العلمية، ووقاية العقل من الشطط، وتحرير الحقيقة. . .
وقد كان لهذه النظرية والقول بها مذاق في أفواه الأقدمين، حين كانت الأديان طقوسًا منعزلة عن الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية والثقافية، وكل ما له صلة بحياة الناس العملية الواقعية وإن مستها فإنما تمسها وتتصل بها اتصالا رفيقًا لا يدخل في صميم نظمها وتنظيمها، ووضع أسسها، وتفصيل برامجها، والإفتاء في كل ما له صلة به بكل جلاء ووضوح. .!
كان لهذه النظرية مكان في هذا الماضي التاريخي، حين كانت الأديان على نحو ما ذكرنا، وحين كانت تعني بالمسائل الروحية التعبدية في مجموع ما فيها من وسائل، وقد يسوغ أيضًا أن يبقى هذا المكان أو أن يمتد هذا التاريخ في غير بلاد الشرق المسلمة، وفي غير مصر الإسلامية، بعد أن جاء الإسلام منذ 1363 سنة نظامًا عامًا، شاملًا كاملًا، تناول الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، ونظم شؤون الناس جميعها، معنيًا بالروح، عنايته بالجسم والعقل، وعنايته بكل النواحي الإنسانية الأُخرى، بما لا يدع مجالا لمنكر أو طالب حقيقة، وآيات القرآن ناطقة بهذه الحقائق، وسنوفيها حقها في موضعها من الكلام