رسالة نبي الوثنية!
للأستاذ زكريا إبراهيم
اعتقد نيتشه في نفسه أن عليه رسالة لا بد أن يبلغها للإنسانية، فلم يكن له بد من أن ينتقي لنفسه نبيًا يتكلم على لسانه. وقد وضع نيتشه رسالته هذه على لسان نبيه زرادشت، فجاءت وحيًا ليس له نظير في عالم الفلسفة. والواقع أن كتاب (هكذا قال زرادشت) هو طُرفة فنية رائعة لا نجد لها مثيلًا في الأدب الألماني الحديث، بل لعلها تكون أروع ما عرفه النثر الأدبي في ألمانيا كلها. ولكن الذي يعنينا من أمر هذا الكتاب هو أن نعرف السبب الذي من أجله اختار نيتشه (زرادشت) لكي يكون المعبر عن آرائه. وقد تكفل نيتشه نفسه بالجواب عن هذه المسألة فقال: (إن أحدًا من الناس لم يسائلني - وكان الظن بهم أن يسألوا - عن المعنى الذي أقصده حينما أُجري اسم(زرادشت) على لساني، أنا (اللاأخلاقي) الأول؛ فإن ما كان يميز هذا الفيلسوف من غيره، هو على وجه التحقيق، تعارضه المطلق مع اللاأخلاقي. والواقع أن زرادشت كان أول من وجد في الصراع بين الخير والشر، المحور الأساسي الذي تدور حوله كل الأشياء، فهو أول من حول الأخلاق إلى مجال الميتافيزيقا، وجعل منها قوة أو علة أو غاية في ذاتها. ولكن هذا عينه هو السبب في اختياري له: فإن زرادشت هو الذي استحدث ذلك الخطأ الجسيم الذي هو (الأخلاق) وإذن فإن من الواجب أن يكون هو أيضًا أول من يفطن إلى ذلك الخطأ؛ لا لأن اختباره للمسألة كان أطول وأعظم من اختبار غيره من المفكرين (فإن التاريخ مُفعم بالأدلة التجريبية والبراهين العملية التي تنقض النظرية المزعومة عن وجود نظام أخلاقي للأشياء بل لأن زرادشت كان أكثر أمانة وتوخيًا للصدق من غيره من المفكرين.)
ولكن ما هو هذا الوحي الذي نزل على زرادشت من سماء إلهه نيتشه؟ لقد جاء هذا النبي الجديد بديانة معارضة للمسيحية، مناهضة للأخلاق؛ وهذه الديانة مُودَعة في تضاعيف شعر فني ساحر يرن في السمع كما ترن الآيات القصار. فلم يَصُغْ نيتشه إذن أفكاره في ألفاظ وعبارات، بل صاغها في لمع ولمحات. وهذه الأفكار كثيرًا ما يَعذُب وقعها في السمع، بغض النظر عن المعاني التي تنطوي عليها، فهي أفكار لا تنحصر قيمتها في ذاتها، بل في