للأستاذ إميل دوركايم
يقترن اسم إميل دوركايم بعلم الاجتماع؛ فهو الذي أخرجه في صورته الجديدة التي هو عليها الآن، وجعل منه علمًا مستقلًا له منهج مستقل لا يعتمد على العلوم الأخرى، بعد أن كان العلماء يعتمدون في تفسيرهم للظاهرات الاجتماعية على أحد منهجين: إما المنهج البيولوجي الذي وضعه هربرت سبنسر في إنجلترا، وهو ينظر إلى المجتمع على أنه كائن حيوي يمكن تفسير ظاهراته تفسيرًا حيويًا يعتمد على علم الحياة وعلم وظائف الأعضاء؛ وإما المنهج السيكولوجي، ومن أكبر أنصاره تارد الفرنسي الذي يفسر المجتمع بغريزة التقليد. أما دوركايم فقد جعل علم الاجتماع موضوعًا قائمًا بذاته لا يعتمد في تفسير ظاهرات المجتمع على غير هذه الظاهرات نفسها، فجعله بذلك علمًا في مصاف العلوم الأخرى من جهة الموضوع والمنهج؛ وقد كتب دوركايم كتابه الشهير (قواعد المنهج الاجتماعي يبين فيه طبيعة العلم والمنهج الذي يجب اتباعه في دراسته، ثم لخص ذلك كله في مقالته: (علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية التي نشرت في كتاب مناهج البحث في العلوم وهي التي نقدم لقراء الرسالة تلخيصها.
تناول دوركايم موضوعه من الناحية التاريخية مبينًا نشأة علم الاجتماع وتطوره، ثم قسم العلم إلى الأبواب التي يدرسها؛ وأخيرًا بين المنهج المتبع في الدراسات الاجتماعية، وهو منهج يعتمد عند دوركايم على التاريخ والإحصاء؛ لا كعلمين بل كطريقتين للبحث العلمي
أولا: من الناحية التاريخية
إن أحسن وسيلة تتبع في دراسة علم من العلوم التي لا تزال حديثة مثل علم الاجتماع، لتوضيح طبيعته وموضوعه ومنهجه، هي الرجوع إلى الوراء لنبين كيف ابتدأ وكيف تطور. . . لقد كان أوجست كونت أول من وضع لفظ (سسيولوجيا في القرن التاسع عشر قاصدًا به علم المجتمعات. . . فالاصطلاح إذن جديد والعلم جديد، وإن كان هناك دراسات نظرية عن الموضوعات السياسية والاجتماعية وجدت قبل كونت: في(جمهورية) أفلاطون و (سياسة) أرسطو، وكتابات كامبانيللا وهوبز وروسو وكثيرين غيرهم. ولكن هذه الدراسات كلها تختلف اختلافًا جوهريًا عما يصدق عليه الاصطلاح الجديد. إنها لم