للأستاذ محمود شلتوت
التكاليف علمية وعملية - العقائد - طريق ثبوتها - النظريات الخلافية الاجتهاد فيما لا قاطع فيه يمنع التأثيم - أثر التعصب المذهبي - تطبيق
قال العلماء: إن للإنسان قوتين؛ إحداهما نظرية، وكمالها في معرفة الحقائق على ما هي عليه؛ والأخرى عملية، وكمالها في القيام بما ينبغي من الشئون في الحياة. وقد قرر الإسلام هذا المبدأ أساسًا لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة فجاءت تكاليفه نوعين: منها ما يطلب علمًا، ومنها ما يطلب عملًا. ونرى ذلك واضحًا جليًا في هذه الكثرة من الآيات القرآنية التي تجمع بين الإيمان والعمل وتربط بهما النجاة والسعادة: (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) ، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلًا) . (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) . . . الخ.
وقد اصطلح العلماء على تسمية التكاليف التي تطلب علمًا (بالعقائد) أو (أصول الدين) كما اصطلحوا على تسمية التكاليف التي تطلب عملًا (بالشريعة) أو (الفروع)
ولما كانت الحقائق التي يمكن أن يعلمها الإنسان كثيرة، وكان أكثرها لا يتصل من قريب بالسعادة التي يقصدها الشارع قضت الحكمة أن يبيَّن للناس ما يجب عليهم أن يؤمنوا به في سبيل الحصول على تلك السعادة. وذلك عند التحقيق يرجع إلى الأصول التي اشتركت فيها الأديان السماوية جميعها من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. . . الخ
حدد الشارع هذه الأمور، وطلب من الناس الإيمان بها. والإيمان هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل. ومن الواضح أن هذا الاعتقاد لا يحصله كل ما يسمى دليلًا، وإنما يحصله الدليل القطعي الذي لا تعتريه شبهة
وقد اتفق العلماء على أن الدليل العقلي الذي سلمت مقدماته، وانتهت في أحكامها إلى الحس أو الضرورة يفيد ذلك اليقين ويحقق الإيمان المطلوب
أما الأدلة النقلية فقد ذهب كثير من العلماء إلى إنها لا تفيد اليقين ولا تحصل الإيمان المطلوب، ولا تثبت بها وحدها عقيدة. قالوا: وذلك لأنها مجال واسع لاحتمالات كثيرة