بين القديم والحديث
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
لم تعمل اللجنة التي ألفت للبحث في أسباب فساد التعليم في الأزهر شيئًا، بل لم تكد تجتمع حتى اختلف أعضاؤها خلافا شديدًا، لأن النظام الحديث الذي قضى فيه الأزهر ما يقرب من نصف قرن لم يعمل شيئًا في توحيد آرائنا في الإصلاح، وتكوين الانسجام الواجب بين أهل البيت الواحد، بل تركنا كما كنا قبله كثرة ترى الجمود على القديم فرضًا، وقلة تمقت القديم وتبغض الجمود، وترى أن آثاره الباقية في الأزهر هي السبب في فساد التعليم فيه
وبهذا تزعزع الإيمان بين الطلاب بصلاح التعليم في الأزهر، حتى تملكتهم الحيرة، واستولى عليهم اليأس، فهم لا يزالون يرون القديم آخذًا بخناقهم، ولا تزال أساليبه في التعليم مفروضة عليهم، ولابد لهم من الأخذ بها في دروسهم وامتحاناتهم، لأن الطالب إذا لم يأخذ بها لم يمكنه أن يمضي في التعليم، ولا يلبث أن يرسب في الامتحانات ويطرد من الأزهر وفروعه، ولكنهم يسمعون كل يوم نقد هذه الأساليب القديمة، يلقيه عليهم أنصار الإصلاح في دروسهم، ويقرءونه في بعض الكتب الحديثة المقررة عليهم، وفيما يطالعون من الكتب والجرائد والمجلات، ويسمعون فيما يلقى عليهم من المحاضرات، وقد تأثروا بكل هذا، حتى صاروا لا يؤمنون بفائدة هذه الأساليب القديمة، وأصبحوا لا يستسيغونها بعد أن تغيرت أذواقهم بما يطالعون من الأساليب الحديثة، لأنها تختلف كل الاختلاف عن الأساليب القديمة، فمن يتذوق إحداهما لا يمكنه أن يستسيغ الثانية، ولا شك أن النجاح في شيء من الأشياء إنما يقوم على أساس الإيمان به، فإذا فقد الإيمان به كان المضي فيه عبثًا، ولم يكن الحصول منه على ثمرة نافعة
وقد كان الطلاب في الأزهر قبل النظام الحديث يؤمنون بالقديم كل الإيمان، لأنهم لم يكونوا يسمعون شيئًا من نقده، ولم يكن الكلام على الإصلاح الحديث قد وصل بعد إلى أسماعهم؛ وكانوا يقضون كل أوقاتهم بين جدران الأزهر، فلا يختلطون بغيرهم ممن تربوا تربية حديثة، ولا يستمعون إلى محاضرات علمية أو أدبية تلقى في ناد أو محفل، وكانوا لا يعرفون إلا أساليبهم القديمة في التعليم، ولا يدرسون إلا العلوم القديمة وكتبها، فألفوا