للدكتور زكي مبارك
قلت مرة: إن النضال بين الإسلام والنصرانية أتاح فرصًا كثيرة لمباحث نفيسة تغذي القلوب والعقول، وتكشف عن آفاق ما كان ينتظر أن تكشف لو أراد الله أن لا يقع ذلك النضال والمجادلة لا تذم إلا إن صدرت عن سوء نية، لأنها عندئذ تكون عملًا من أسوأ الأعمال، أما إن صدرت عن رغبة في الفهم والتحقيق، فهي عمل مقبول دعا إليه جميع الحكماء في جميع البلاد
وأنا ماضٍ في تبديد شبهة وجهت إلى الإسلام ألوف المرات، وسأقضي على تلك الشبهة قضاء مبرمًا. سأقتلع جذورها فلا تنبت بعد اليوم، وسأقوض جدرانها فلا يقوم لها بناء إلى آخر الزمان
فما هي تلك الشبهة، ولا أقول التهمة، ترفعًا بالمجادلين؟
هي قولهم إن الإسلام شريعة مدنية، وليس عقيدة دينية، فهو في نظرهم مجموعة قوانين، وليس دينًا يهتم بتأصيل المعاني الروحية في صدور المؤمنين
وزادوا فقالوا: إن الإسلام لم تشع فيه الروح إلا حين عرف التصوف، والتصوف في رأيهم نزعة مسيحية العرق، وليس لها في الإسلام أصول
وأسارع فأقرر أنه لا يضير الإسلام أن يكون مجموعة قوانين، فسترى بعد لحظات معنى هذا من الوجهة الروحية، وهي مثار الاعتراض
وأقرر أيضًا أن المعاني الإسلامية المقبوسة من المسيحية ليست سرقات، حتى يعيرنا بها فريق من الناس، وإنما هي ميراث أخذناه باستحقاق، لأن الإسلام بنص القرآن هو الوارث لجميع الشرائع السماوية، والمؤلفون المسلمون ينقلون أقوال سيدنا موسى وسيدنا عيسى باحترام، تقربًا إلى الله، لأن الله أوصى سيدنا محمدًا بإعزاز جميع الأنبياء والمرسلين
وإذا كان التصوف الإسلامي منقولًا عن أصول مسيحية - ولنسلم جدلًا بهذا - فما كان التصوف مما اتفق عليه جميع أئمة المسلمين، فقد ثار عليه رجال من أقطاب الباحثين، وعدوه خروجًا بالإسلام عن صبغته الأساسية، وهي الصبغة التشريعية
ومعنى هذا أن الهدية مردودة إلى مهديها الأول، على فرض أن التصوف هدية، وعلى