(داعي الدعاة) مناظر المعري
للدكتور محمد كامل حسين
الآن يستعد العالم العربي للاحتفال بالعيد الألفي للفيلسوف الشاعر أبي العلاء المعري، فرأيت أن أميط اللثام عن شخصية معاصره ومناظره (المؤيد داعي الدعاة) بعد أن ظل مجهولا طوال هذه السنين، بالرغم من أنه كان رجلًا له خطره وشأنه يرجف الناس باسمه في القرن الخامس الهجري، خشي بأسه الخليفة العباسي ببغداد، وأبو كاليجار البويهي وطغرلبك التركماني، وخشيه المعري في مناظراته، هذا الرجل الذي وصفه المعري بقوله: (لو ناظر أرستطاليس لجاز أن يفحمه، وأفلاطون لنبذ حججه) . فمن الغريب حقًا أن تظل شخصية هذا الداعي غامضة مجهولة بالرغم من المحاولات العديدة التي قام بها جماعة من المستشرقين للبحث عنه، ولو لم أعثر على نسخة خطية لسيرته كتبها بنفسه عن نفسه ما كنت أستطيع معرفة شئ عن هذا الداعية الداهية
عرف هذا الداعي في التاريخ بلقبه (المؤيد في الدين) ، واسمه هبة الله بن موسى بن أبي عمران، ويكنى بأبي نصر، ولد بشيراز في أواخر القرن الرابع من الهجرة، وأرجح أنه ولد حوالي سنة تسعين وثلاثمائة من أسرة تدين بمذهب الفاطميين، وكان أبوه داعي دعاة هذا المذهب في فارس، وقد عثرت على جزء من رسالة من أبيه إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي يطلب فيها من الحاكم أن يعترف بالمؤيد داعي الدعاة بعده، ولكن الحاكم أجابه بشيء من الجفاء والغلظة، لأن أمر الدعوة لا يورث، ومع ذلك استطاع هبة الله أن يصل إلى مرتبة أبيه، وأن يصبح حجة جزيرة فارس، (وهذا بالاصطلاح الفاطمي ومعناه داعي دعاة إقليم فارس) . أما كيف ومتى وصل إلى هذه المرتبة فهذا ما لم نوفق لمعرفته إلى الآن، وكل الذي وصلنا أنه نجح في اجتذاب عدد كبير من الناس لدعوته، وأنه كان محبوبًا عند جمهور أهل مذهبه حتى قالوا عنه لوزير أبي كاليجار البويهي سنة 429: (إنهم يتخذون هذا الرجل أبًا لهم وأخًا وصاحبًا ومحلًا لكل سر ومفزعًا في كل خير وشر) .
نحن لا نعرف من أمر المؤيد قبل سنة 429 شيئًا إلا أنه كان مضطهدًا من جمهور أهل السنة لتمذهبه بمذهب الفاطميين، وأن العلماء أغروا به السلطان البويهي، ورموه هو